Skip links

العراق لا يُبنى بالانتقام.. وعيد الغدير فرصة لقرار تاريخي

دعوة إلى رئيس الوزراء لفتح صفحة جديدة للعراق وإطلاق مشروع وطني للمصالحة والإنصاف

ثمة خسارة لا يُعلن عنها في نشرات الأخبار، ولا تتداولها أروقة السياسة بصوت مسموع، غير أنها تتراكم يوماً بعد يوم في صمت مقلق: خسارة العراق لكفاءاته العسكرية المدربة، وهي تتأكل خلف القضبان بينما يُفيد منها خصوم البلاد في كل اتجاه.

إن الحديث عن ضباط الجيش العراقي السابق المحتجزين ليس ترفاً عاطفياً، ولا دفاعاً عن قناعات سياسية بائدة. إنه حديث العقل والحساب الوطني قبل أي شيء آخر، ويستند إلى ثلاثة ثوابت لا تقبل المساومة: العدالة، والإنسانية، والمصلحة الوطنية العليا.

أولاً: العسكري منفذ لا صانع قرار – والمسؤولية أُقرت صراحةً

الضابط العراقي الذي أفنى عمره في الأكاديميات والثكنات والميادين لم يكن سید قراره السياسي يوماً. فالقرارات الاستراتيجية لا تولد في الثكنات، بل تُصدر من قمة السلطة السياسية وحدها، وهذا ما أرسته أعراف القانون الدولي الإنساني وما كرسته اتفاقيات جنيف الأربع التي تُميّز بوضوح بين المسؤولية القيادية وطاعة الأوامر.

وقد وقف الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين أمام المحكمة وأعلن صراحةً أنه يتحمل المسؤولية الشخصية عن قرارات الدولة. هذا الإقرار يضع المسؤولية حيث تنتمي في عهدة القيادة السياسية لا العسكرية.

كما كفل الدستور العراقي لعام 2005 مبدأ شخصية العقوبة، إذ نص على أن العقوبة شخصية لا تتعدى الجاني إلى غيره، فإبقاء العسكريين خلف القضبان بعد أن تحمل القائد السياسي مسؤوليته علناً يُشكّل خللاً في ميزان العدالة لا يُبرره نص ولا يسنده ضمير.

(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) الأنعام: 164

ثانياً: الكفاءة الوطنية لا تُمنح لأعداء العراق بطبق من ذهب

أنفق العراق على هؤلاء الضباط من ثروته الوطنية الشيء الكثير؛ سنوات التدريب في الكليات العسكرية، والابتعاثات الخارجية، والخبرة المتراكمة في إدارة الأزمات والعمليات القتالية. هؤلاء عراقيون قبل أي وصف آخر، وهذا الاستثمار الوطني الثمين لا يعود إلى الدولة حين يقبع أصحابه في السجون، بل يتسرب إلى حيث لا يريد له العراقيون أن يذهب.

إن رجلاً أمضى ثلاثة عقود ضابطاً في الجيش العراقي يحمل في رأسه وتجربته ما لا تستطيع المدارس تعليمه. وحين يُحتجز هذا الرجل سنوات طويلة، يظل هذا الرصيد حبيساً عاجزاً عن خدمة البلاد.

والأخطر من ذلك أن أبناءه وعشيرته وبيئته الاجتماعية قد يتحولون من رصيد للدولة إلى جرح نازف يُغذِّي خطاب الإقصاء وشعور المظلومية الذي يستثمر فيه أعداء العراق كل يوم.

لذلك فإن الإبقاء على هؤلاء الضباط في الاحتجاز ليس موقفاً أمنياً محايداً، بل قرار يُضيع على الدولة طاقة بشرية أنفقت على إعدادها من مالها العام، ويمنح خصوم العراق مادة يستثمرونها في تأجيج الانقسام.

(وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) الأنفال: 1

ثالثاً: العمر الذي لا يعود.. والكرامة التي لا تسقط بحكم

لا يحتاج المرء إلى فلسفة معقدة ليدرك أن استمرار احتجاز رجال تجاوز أغلبهم السبعين من العمر هو عقوبة مضاعفة تتجاوز حدود أي حكم قضائي. فالاحتجاز في هذه السن ليس سلب حرية وحسب، بل هو انتزاع للكرامة الإنسانية وحرمان الإنسان من أن يقضي ما تبقى من عمره بين أهله وأبنائه.

وقد أكدت المواثيق الدولية ومبادئ حقوق الإنسان على ضرورة معاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم المتأصلة.

كما أن التشريعات العراقية أخذت بالاعتبار الظروف الإنسانية والصحية وكبر السن عند تنفيذ الأحكام، إدراكاً منها أن العدالة لا تنفصل عن الرحمة، وأن الدولة القوية ليست تلك التي تُطيل العقوبة إلى ما لا نهاية، بل التي تعرف متى تُطبق القانون ومتى تُفعّل روح القانون.

(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) الأعراف: 156

رابعاً: اللحمة الوطنية ودرء خطر الإرهاب

يتحدث الجميع عن مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه، وهو هدف لا خلاف عليه. غير أن ثمة منبعاً يُغفله كثيرون: شعور الإقصاء الذي يتراكم في نفوس الناس حين يرون ذويهم ورموزهم محتجزين بلا أفق واضح للحل.

فالإرهاب لا يعيش في الفراغ، بل يتغذى على اليأس والشعور بانعدام الانتماء إلى الدولة. وكل مواطن يرى أن أقاربه يُعاقبون دون تمييز بين منفذ وآمر، وبين عسكري نفذ الأوامر وسياسي اتخذ القرار، قد يفقد شيئاً من ثقته بمؤسسات الدولة.

إن المصالحة الوطنية الحقيقية ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، بل هي قرارات عملية تُشعر المواطن بأن الدولة تنظر إلى المستقبل أكثر مما تنظر إلى الماضي.

ولذلك فإن معالجة هذا الملف تمثل خطوة مهمة في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحصين الوحدة الوطنية، وتجفيف البيئات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لبث الفرقة والكراهية.

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) النحل: 90

خامساً: عيد الغدير فرصة لمبادرة وطنية وإنسانية

وفي هذا التوقيت الذي يتزامن مع حلول عيد الغدير، بما يحمله من معانٍ سامية في العدل والوفاء والتسامح وجمع الكلمة، فإننا نرى في هذه المناسبة المباركة فرصة وطنية وإنسانية لإطلاق مبادرة شجاعة تُسهم في تعزيز المصالحة الوطنية وترميم النسيج الاجتماعي العراقي.

ومن هذا المنطلق، نتوجه بنداء إلى دولة رئيس مجلس الوزراء، وإلى السلطات المختصة كافة، للنظر بعين الحكمة والرحمة والمسؤولية الوطنية إلى ملف قادة وضباط الجيش العراقي السابق المحتجزين، والعمل على إطلاق سراح من تنطبق عليهم الشروط القانونية والإنسانية، وإعادة حقوقهم المدنية، وفتح الباب أمام عودة الضباط العراقيين في الخارج إلى وطنهم بكرامة وأمان.

كما ندعو إلى شمول جميع النزلاء والمحتجزين الذين تجاوزوا السبعين من العمر وتنطبق عليهم الاعتبارات القانونية والإنسانية، بما يعكس الوجه الحضاري للدولة العراقية ويؤكد أن العدالة لا تتعارض مع الرحمة، وأن قوة الدولة تتجلى في إنصاف مواطنيها جميعاً دون تمييز.

إن مثل هذه الخطوة في أيام عيد الغدير المباركة ستكون رسالة قوة وثقة من الدولة بنفسها، ورسالة طمأنة إلى جميع العراقيين بأن العراق يتسع لأبنائه جميعاً، وأن العدالة والمصالحة هما الطريق الأقصر إلى الاستقرار والوحدة الوطنية.

(فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) الشورى: 40

ومن المهم التأكيد أن هذه الدعوة لا تشمل أي شخص ثبتت بحقه، أمام القضاء ووفق الأصول القانونية، جرائم قتل عمد بحق الأبرياء أو جرائم فساد مالي أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، سواء وقعت تلك الأفعال في ظل النظام السابق أو بعد عام 2003. فالعدالة لا تعرف زمناً ولا تميز بين الأشخاص أو المراحل السياسية، وحقوق الضحايا وحقوق الشعب العراقي تبقى مصونة لا يجوز التفريط بها. إنما تتجه هذه المبادرة إلى من لم تثبت بحقهم مسؤولية شخصية عن تلك الجرائم، وإلى من تنطبق عليهم الاعتبارات القانونية والإنسانية والوطنية التي تخدم المصالحة والاستقرار والوحدة الوطنية.

سادساً: السند القانوني والدستوري

إن الدعوة إلى معالجة هذا الملف لا تستند إلى اعتبارات إنسانية ووطنية فحسب، بل تجد سندها في القوانين العراقية والمواثيق الدولية النافذة. فقانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016 جاء بروح تستهدف تعزيز المصالحة الوطنية وترسيخ السلم المجتمعي، كما أن التشريعات العراقية النافذة تتيح مراعاة الظروف الإنسانية والصحية وكبر السن عند تنفيذ الأحكام وفقاً للقانون.

كذلك فإن الدستور العراقي أكد مبدأ شخصية العقوبة وعدم امتداد المسؤولية إلى غير مرتكبيها، في حين ألزم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – الذي صادق عليه العراق – بمعاملة جميع المحتجزين معاملة إنسانية تحترم كرامتهم المتأصلة.

ومن ثم فإن اتخاذ مبادرة قانونية وإنسانية لمعالجة أوضاع العسكريين المحتجزين وكبار السن من النزلاء والموقوفين ينسجم مع مبادئ الدستور وروح القانون ومتطلبات المصالحة الوطنية التي يتطلع إليها العراقيون جميعاً.

سابعاً: آن الأوان لقرار شجاع – الإفراج ورّد الاعتبار

لقد آن الأوان لاتخاذ قرار تاريخي شجاع يتمثل في:

إطلاق سراح جميع قادة وضباط الجيش العراقي السابق المحتجزين ممن تنطبق عليهم الأحكام والإجراءات القانونية اللازمة، ولم تثبت بحقهم جرائم قتل عمد أو فساد مالي أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أياً كانت المرحلة السياسية التي وقعت فيها تلك الجرائم.

إعادة حقوقهم المدنية كاملة بما يكفله الدستور والقانون.

تمكين جميع الضباط العراقيين في المنفى من العودة إلى وطنهم بكرامة وأمان.

شمول كبار السن من النزلاء والمحتجزين الذين تجاوزوا السبعين من العمر بالإجراءات القانونية والإنسانية المناسبة.

فتح صفحة وطنية جديدة قائمة على العدالة والمصالحة لا على الإقصاء والانتقام.

إن العراق الذي يريده أبناؤه دولة تحكمها المؤسسات لا الثارات، وتوظف كفاءاتها بدلاً من أن تُهدرها، وتبني المستقبل بثقة لا بخوف.

والحكمة السياسية تقتضي أن يكون هذا القرار فعل دولة واثقة من نفسها، لا فعل تراجع. فالدولة القوية هي التي تُفرّق بين العدالة والانتقام، وتفهم أن بناء المستقبل يبدأ بالتحرر من أسر الماضي.

(فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)الشورى: 40

الشيخ محمد عبد العزيز الخزاعي

مؤسس منتدى العراق للحوار وباحث سياسي

اترك تعليقًا

عرض
Drag