من اقوال الصحافة
في جولة الصحف، نستعرض ثلاث مقالات رأي تتقاطع عند سؤال أوسع عن موقع الولايات المتحدة وقدرتها على التأثير في عالم مضطرب: ففي مجلة “فورين بوليسي”، يكتب ستيفن والت عما يصفه بـ”نهاية القوة الناعمة الأمريكية”، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تراهن على أدوات الإكراه والقوة الصلبة، وتتخلى عن أحد أهم مصادر النفوذ الأمريكي تاريخياً.
وفي صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، ينتقد شون أوغرادي مبادرة ترامب لتأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، ويرى أنها لا ترقى إلى خطة عسكرية قادرة على ضمان مرور السفن.
أما في صحيفة “نيويورك تايمز”، فيتناول إزرا كلاين المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى بطالة جماعية، لكنه يدعو إلى الحذر من تبنّي هذا السيناريو قبل أن تؤكده البيانات الاقتصادية.
“نهاية القوة الأمريكية الناعمة”

صورة للرئيس ترامب وهو يغادر إحدى غرف البيت الأبيض.
bbc
“الإدارة الأمريكية تُظهر ثقة مطلقة تقريباً في “القوة الصلبة”، مقابل ازدراء شبه كامل لـ “القوة الناعمة“”.
نبدأ من مجلة “فورين بوليسي”، حيث يكتب ستيفن والت مقالاً بعنوان “نهاية القوة الأمريكية الناعمة”، يقول فيه إن من أبرز ملامح السياسة الخارجية لإدارة ترامب ليس فقط الأهداف التي تختارها، بل الوسائل التي تعتمدها لتحقيق تلك الأهداف.
ويرى والت أن الإدارة تظهر ثقة مطلقة تقريباً في “القوة الصلبة”، مقابل ازدراء شبه كامل لما سمّاه عالم السياسة الأمريكي الراحل جوزيف ناي “القوة الناعمة“.
ويشرح الكاتب أن ناي عرّف القوة الناعمة بأنها “قوة الجاذبية”: أي قدرة الدولة على دفع الآخرين إلى فعل ما تريده لأنها تمتلك صفات تجعلهم يريدون تقليدها أو الارتباط بها أو اتباع قيادتها.
ويفرّق المقال بين نموذجين من النفوذ: دول تمتلك قدراً كبيراً من القوة الصلبة، وتستطيع حمل الآخرين على الاستجابة لها عبر القوة أو الترهيب، أو من خلال تقديم المساعدة والحماية؛ ودول تمتلك وفرة من القوة الناعمة، وتتمتع بنفوذ أوسع لأن الآخرين يريدون أن يكونوا مثلها، أو يتفقون مع المبادئ التي تمثلها، أو يرونها عصرية وناجحة، بل وجذابة أيضاً.
ويؤكد والت، بوصفه منتمياً إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، أنه لا يقلل من أهمية القوة الصلبة. فهو يرى أن امتلاك قدر كبير من القوة الناعمة يصعب من دون قوة صلبة كبيرة تسندها. لكنه يضيف أن الدولة قد تمتلك قوة صلبة كبيرة، في مقابل قوة ناعمة محدودة أو شبه معدومة، كما في حالة روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، بحسب رأيه.
ومن هنا، يرى الكاتب أن الحالة المثالية لأي دولة هي أن تمتلك النوعين معاً. فالقوة الناعمة، بحسب المقال، تجعل الآخرين أكثر ميلاً بطبيعتهم إلى فعل ما تريده الدولة، من دون أن تضطر إلى استخدام قوتها الصلبة كثيراً.
ويشير والت إلى أن جوزيف ناي كان يرى أن الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة منح الولايات المتحدة مزايا هائلة في تعاملها مع العالم، وكان أحد أسباب تفاؤله بمستقبل الولايات المتحدة وتشكيكه في التوقعات التي تحدثت عن تراجعها. لكنه يضيف أن ناي نفسه بدأ، في نهاية مسيرته الطويلة، يشعر بالقلق حيال ما يحدث لجاذبية الولايات المتحدة عالمياً.
مشروع ترامب ومضيق هرمز

مضيق هرمز في قلب التوتر بعد إعلان ترامب “مشروع الحرية” لتسهيل مرور السفن.
ومن الحديث عن تراجع الجاذبية الأمريكية، ننتقل إلى صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، حيث يكتب شون أوغرادي عن مبادرة أعلنها دونالد ترامب باسم “مشروع الحرية”، قال إنها تهدف، بوصفها “بادرة إنسانية”، إلى مساعدة طواقم السفن “المحايدة والبريئة” العالقة منذ أسابيع في مضيق هرمز، وبناء “حسن نية” في خضم النزاع.
ويرى أوغرادي أن المشروع لم يدرس جيداً، عارضاً ثلاث مشكلات رئيسية فيه. الأولى أن ترامب قدّمه كما لو أنه يكاد يكون عملية مشتركة مع إيران، بل قال إنه يتحرك باسم “الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط، وبشكل خاص إيران”، رغم أن القيود على الملاحة في المضيق هي، بحسب المقال، حصار إيراني لا أمريكي، وأن ترامب لا يقترح رفع الحظر الأمريكي على التجارة من وإلى الموانئ الإيرانية.
ويقول الكاتب إن إيران، إذا أرادت السماح لناقلات النفط وسفن الحاويات بالمرور، لا تحتاج إلى مساعدة البحرية الأمريكية. وبحسب المقال، ردّت طهران بوصف ترامب بأنه “واهم”، كما يشير إلى تفجير ناقلة نفط قبالة الفجيرة، وإلى قول إيران إنها أصابت فرقاطة أمريكية بصاروخين، وهو ما نفاه مسؤول أمريكي لموقع “أكسيوس”، فيما لا يزال الادعاء غير مؤكد.
أما المشكلة الثانية، فهي أن “مشروع الحرية” ليس عملية عسكرية، ولن يتضمن قوافل لحماية السفن كما حدث في أزمة سابقة خلال الحرب العراقية الإيرانية. ويقول أوغرادي إن الدور الأمريكي سيقتصر على تقديم المشورة بشأن أفضل مسار للخروج من المضيق، وهو ما لا يوفر ضمانة أمنية حقيقية لشركات الشحن وأطقم السفن، وقد يفسر ارتفاع سعر برميل النفط بعد الإعلان عن المبادرة.
أما المشكلة الثالثة، فهي أن منشوراً على منصة “تروث سوشيال” لا يساوي خطة عسكرية. ويخلص أوغرادي إلى أن المشروع لن يفتح حركة الشحن، كما أن عمليات سابقة مثل “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي” لم تحقق أهدافها المعلنة. ويختم بأن ما يحتاجه ترامب فعلاً هو طريق آمن للخروج من الحرب، ويسميه ساخراً “عملية التراجع“.
كارثة الوظائف والذكاء الاصطناعي

تتصاعد المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص فرص العمل، لكن بيانات البطالة والأجور في الولايات المتحدة لا تؤكد حتى الآن سيناريو فقدان واسع للوظائف.
يرى مقال في “نيويورك تايمز” أن التحذيرات من “كارثة وظائف” بسبب الذكاء الاصطناعي تستحق الحذر، لكن الأرقام الحالية لا تشير بعد إلى موجة بطالة واسعة.
ومن السياسة الخارجية إلى الداخل الأمريكي، ننتقل إلى صحيفة “نيويورك تايمز”، حيث يكتب إزرا كلاين مقالاً بعنوان “لماذا قد لا تتحقق نبوءة انهيار الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي؟“.
ينطلق كلاين من استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك في مارس/آذار، أظهر أن 70 في المئة من الأمريكيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى فرص عمل أقل للبشر، مقارنة بـ56 في المئة قبل عام، فيما قال 30 في المئة إنهم قلقون على وظائفهم.
ويقول الكاتب إن هذه المخاوف تغذيها تحذيرات قادة شركات الذكاء الاصطناعي؛ إذ قال داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، إن ما يصل إلى نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين قد تختفي خلال خمس سنوات، بينما يرى مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لـ”مايكروسوفت إيه آي”، أن معظم الأعمال المكتبية ستتم أتمتتها بالكامل خلال 12 إلى 18 شهراً.
ويضيف كلاين أن “أوبن إيه آي” دعت في ورقة سياسات إلى أسبوع عمل من 32 ساعة، بحيث يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى “وقت فراغ جماعي” لا إلى “بطالة جماعية”، مشيراً أيضاً إلى لوحة إعلانية خارج مبنى “نيويورك تايمز” كتب عليها: “توقفوا عن توظيف البشر“.
لكن الكاتب يدعو إلى الحذر في التعامل مع هذه الرواية. فهو يقول إن شركات مثل “بلوك” و”ميتا” و”أوراكل” و”مايكروسوفت”، التي تسرّح موظفين أو تعرض عليهم تعويضات للخروج مع ذكر الذكاء الاصطناعي سبباً، قد تكون في الواقع تتراجع عن موجة توظيف مفرطة سابقة، وتقدم للأسواق المالية رواية تطمئن المستثمرين أو تثير حماستهم.
ويشير كلاين إلى أن البيانات الاقتصادية الكلية لا تؤكد حتى الآن سيناريو فقدان الوظائف: فقد بلغ معدل البطالة في الولايات المتحدة 4.3 في المئة في مارس/آذار 2026، مقارنة بـ4.4 في المئة في مارس/آذار 2020، كما أن متوسط الأجور في الساعة مستقر، والطلب على مهندسي البرمجيات لا يزال قوياً رغم تطور أدوات مثل “كلود كود“.
ويختم بالإشارة إلى أن موجة التسريحات الجماعية قد تكون قادمة، لكنها قد لا تكون كذلك أيضاً، ناقلاً عن اقتصاديين تشككهم في أن بطالة واسعة النطاق باتت وشيكة، ومستشهداً بطرح الاقتصادي أليكس إيماس من جامعة شيكاغو، الذي يقول إن فهم اقتصاد الذكاء الاصطناعي يبدأ بسؤال: “ما الذي سيصبح نادراً؟”.
