Skip links

مشتاق الربيعي

اخلاقيات

من المؤسف أن بعض مسؤولي العراق، ومن يتصدّرون المشهد السياسي، يُظهرون تراجعًا واضحًا في مستوى الخطاب الأخلاقي، بشكل لا ينسجم مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. فبدل أن يكونوا قدوة في احترام الرأي الآخر، نراهم عند أول خلاف يتحولون من لغة الحوار إلى لغة الهجوم الشخصي، والتسقيط، والتجريح، بل وأحيانًا إلى الشتائم العلنية على شاشات التلفاز، في مشهد يسيء للعملية السياسية أكثر مما يخدمها.

إن المشكلة لا تكمن فقط في الأفراد، بل في ثقافة عامة بدأت تتسلل إلى المشهد الإعلامي والسياسي، حيث أصبح الصخب والجدل الحاد وسيلة لجذب الانتباه على حساب المضمون والقيم. وهذا ما يضعف ثقة المواطن بالمؤسسات، ويعزز الشعور بأن الخلافات تُدار بعقلية الخصومة لا بعقلية الدولة

الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية في أي نظام ديمقراطي، بل هو دليل على حيوية المجتمع، لكنه يفقد معناه عندما يُفرغ من مضمونه الأخلاقي. فالحوار الحقيقي لا يُقاس بحدة الصوت، بل بعمق الحجة، ولا يُبنى على كسر الآخر، بل على إقناعه. ومن هنا، فإن الالتزام بأدب الحوار واحترام الخصم ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة أخلاقية ووطنية.

كما أن ما نشهده اليوم من بعض البرامج السياسية لا يمكن اعتباره حرية تعبير، بل هو انحدار في مستوى الطرح، لأن الحرية تقترن دائمًا بالمسؤولية. وما يُعرض على الشاشات يصل إلى ملايين الناس، ويؤثر بشكل مباشر في وعيهم وسلوكهم، خاصة لدى فئة الشباب، مما يجعل من الخطاب غير المنضبط خطرًا حقيقيًا على القيم المجتمعية.

ولا يمكن إعفاء بعض القنوات الفضائية من المسؤولية، إذ أن إصرارها على استضافة شخصيات مثيرة للجدل، حتى وإن كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاق المهنية، يطرح علامات استفهام كبيرة حول أهداف هذا التوجه. هل الغاية هي رفع نسب المشاهدة فقط، أم أن هناك غيابًا للمعايير المهنية التي ينبغي أن تحكم العمل الإعلامي؟

إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب جهدًا متكاملًا، يبدأ من تشريع قوانين واضحة وصارمة تجرّم الإساءة والتشهير، ويمرّ بتفعيل دور الهيئات التنظيمية لمراقبة الأداء الإعلامي، ولا ينتهي عند تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الخطاب المسؤول. فالمجتمع الذي يقبل بالانحدار في لغته، يفتح الباب لانحدار أكبر في سلوكياته.

إن العراق، بتاريخِه العريق الذي شهد ولادة أولى الشرائع والقوانين بعصور ما قبل الإسلام ، لا يليق به أن يكون مسرحًا لهذا التدهور في الخطاب العام. بل هو أحقّ بأن يكون نموذجًا في ترسيخ قيم الحوار، واحترام الاختلاف، والارتقاء بالممارسة السياسية والإعلامية إلى مستوى يليق بتاريخه وحضارته.

إن بناء دولة قوية لا يتحقق فقط عبر المشاريع والخطط، بل يبدأ من بناء الإنسان، وترسيخ منظومة أخلاقية تحكم سلوكه، خاصة لدى من يتصدرون المشهد. فالكلمة مسؤولية، والمنبر أمانة، ومن لا يحسن استخدامهما، لا يستحق أن يكون في موقع التأثير.

وفي الختام، يبقى الأمل قائمًا بأن يكون هناك وعي حقيقي لإصلاح هذا الخلل، وأن يُدرك الجميع أن الأخلاق ليست ترفًا، بل هي أساس بقاء الدول واستقرار المجتمعات، وأن حاضر العراق يجب أن يكون أبهى من ماضيه، لا أن يتراجع عنه

اترك تعليقًا

عرض
Drag