Skip links

لماذا الشرق الاوسط؟

الحلقة الرابعة

وعليه فإن أمن الطاقة العالمي يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار منطقة الشرق الأوسط واستمرار تدفق صادراتها النفطية، الأمر الذي يفسر استمرار الاهتمام الدولي بالمنطقة وتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية.

وتزداد هذه الأهمية عندما نضع في الاعتبار أن جزءا كبيرا من صادرات النفط والغاز في المنطقة يمر عبر ممرات بحرية استراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز، مما يجعل أي إغلاق واضطرابات في هذه الممرات يقود إلى أحداث تأثيرات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.

وبذلك يمكننا القول أن الثروة النفطية وموقع الشرق الأوسط الجغرافي والممرات البحرية الاستراتيجية وحجم الطلب العالمي على الطاقة، تمثل عناصر مترابطة تفسر جانبا أساسيا في الإجابة عن السؤال المركزي للدراسة (( لماذا الشرق الأوسط )) فالمنطقة لا تمتلك فقط جزءا مهما من موارد الطاقة العالمية، وإنما تمتلك أيضا الموقع والممرات التي تتحكم في جزء مهم من حركة هذه الموارد نحو الأسواق العالمية.

ثانيا : الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط.

يعد الغاز الطبيعي أحد أهم مصادر الطاقة الأحفورية في العالم، وقد ازدادت أهميته الاقتصادية والاستراتيجية بصورة واضحة خلال العقود الأخيرة، نتيجة اتساع استخداماته في توليد الطاقة الكهربائية والصناعات البتروكيماوية والتدفئة والاستخدامات المنزلية والتجارية والصناعية، كما أصبح الغاز الطبيعي المسال (LNG) أحد المكونات الرئيسية لتجارة الطاقة العالمية، لأنه أتاح نقل الغاز لمسافات  طويلة بحرا، وربط الدول المنتجة بالأسواق التي لا ترتبط بها مباشرة عن طريق خطوط الأنابيب. ويتكون الغاز الطبيعي بصورة رئيسية من غاز الميثان (CH₄)، مع وجود نسب متفاوتة من الهيدروكربونات الغازية الأخرى، مثل الإيثان (C₂H₆) والبروبان (C₃H₈) والبيوتان (C₄H₁₀) إضافة إلى بعض الغازات والشوائب الأخرى. وفي حالته الطبيعية يكون الغاز عديم اللون والرائحة، وتضاف إليه مواد ذات رائحة مميزة عند توزيعه للمستهلكين لأغراض السلامة.

تكمن أهمية الغاز الطبيعي في تعدد استخداماته، إذ يدخل في إنتاج الكهرباء، والصناعات البتروكيماوية، وإنتاج الأسمدة والمواد الكيماوية، كما يستخدم في التدفئة والتبريد وتسخين المياه والطهي، إضافة إلى استخدامه وقودا في بعض وسائل النقل. ويتميز الغاز الطبيعي بانخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة من احتراقه مقارنة بالفحم، ولذلك يُنظر إليه في كثير من الأسواق بوصفه وقودا انتقاليا يمكن أن يساعد في خفض الانبعاثات عند استبدال أنواع الوقود الأكثر انبعاثا.

ومع ذلك، فإن وصف الغاز الطبيعي بأنه أقل تلويثا لا يعني أنه مصدر طاقة خالٍ من التأثيرات البيئية، إذ أن عمليات استخراج الغاز ومعالجته ونقله يمكن أن تؤدي إلى تسرب غاز الميثان، وهو من الغازات الدفيئة القوية. ولذلك أصبحت السيطرة على تسربات الميثان ورفع كفاءة عمليات الإنتاج والنقل من القضايا الأساسية في مستقبل صناعة الغاز.

ويمكن نقل الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب عندما تتوافر البنية التحتية المناسبة، كما يمكن تحويله إلى غاز طبيعي مسال (LNG) عن طريق تبريده إلى درجات حرارة منخفضة جدا، بحيث يتحول من الحالة الغازية إلى الحالة السائلة، مما يقلل حجمه بصورة كبيرة ويسمح بنقله بواسطة ناقلات بحرية متخصصة، ثم يعاد تحويله إلى حالته الغازية

في محطات الاستقبال، وقد أدى تطور صناعة الغاز الطبيعي المسال إلى تحويل الغاز من سلعة ترتبط بصورة أساسية بالأسواق الإقليمية إلى سلعة عالمية قابلة للنقل بحرا. وتزداد أهمية الغاز الطبيعي في ظل التحولات التي يشهدها نظام الطاقة العالمي، إذ ارتفع الطلب العالمي على الغاز بصورة مستمرة على المدى الطويل، كما بلغ الإنتاج العالمي نحو (٤,١٢٤) مليار متر مكعب في عام (٢٠٢٤) بزيادة قدرها (١,٢٪) عن عام (٢٠٢٣)، بينما ارتفع الطلب العالمي بنحو (٢,٥٪) أي ما يعادل نحو (101) مليار متر مكعب، كما بقي الغاز الطبيعي المسال أحد أهم عناصر تجارة الغاز العالمية، مع استمرار نمو الطلب عليه في الأسواق الآسيوية بصورة خاصة.

ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط إذ تضم المنطقة عددا من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم، وفي مقدمتها إيران وقطر فضلا احتياطيات كبيرة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية والعراق والكويت وعُمان، وتشير بيانات أوبك إلى أن احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة لدول الشرق الأوسط بلغت نحو (٨٢,٤) تريليون متر مكعب في نهاية عام (٢٠٢٤).

والجدول رقم (١١) يبين لنا الاحتياطيات الاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعي في أهم دول الشرق الأوسط نهاية عام (٢٠٢٤).

التسلسلالدولةالاحتياطي مليار م٣الاحتياطي تريليون م٣
١إيران٣٣,٩٨٨٣٣,٩٩
٢قطر٢٣,٨3١٢٣,٨٣
٣السعودية٩,٧٨٦٩,٧٩
٤الإمارات410,8 ٨,٤١
٥العراق3,605٣,٦١
٦الكويت١,٧٨٤١,٧٨
٧عُمان٠,٦٥٤٠,٦٥
المجموع ٨٢,٠٥٦٨٢,٠٦

المصدر: OPEC, Annual Statistical Bulletin 2025 بيانات نهاية عام ٢٠٢٤.

يتضح من الجدول أعلاه أن إيران وقطر تستحوذان على الجزء الأكبر من احتياطيات الدول السبع محل الدراسة، إذ يبلغ مجموع احتياطياتهما نحو (٥٧,٨٢) تريليون م٣، أي ما يزيد على (٧٠٪) من مجموع احتياطيات هذه الدول.

وتأتي السعودية والإمارات في المرتبتين الثالثة والرابعة، في حين تمتلك  كل من العراق والكويت وعُمان احتياطيات أقل حجما، لكنها تظل ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية بالنسبة إلى أسواقها الوطنية والإقليمية. وتُشير هذه الأرقام إلى أن الشرق الأوسط لا يمثل مركزا رئيسيا لإنتاج النفط فحسب، وإنما يمتلك أيضا قاعدة ضخمة من الموارد الغازية، وتزداد أهمية هذه الموارد مع توجه عدد من  دول المنطقة إلى زيادة إنتاج الغاز والاستثمار في مشروعات المعالجة والإسالة والتصدير. غير أن امتلاك احتياطيات هذه كبيرة من الغاز الطبيعي لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاجه أو تصديره بالمستوى نفسه، إذ تتوقف الاستفادة الاقتصادية من الاحتياطيات على توفير الاستثمارات والتكنولوجيا والبنية التحتية والأسواق، فضلا عن الظروف السياسية والأمنية، ولذلك توجد فروق واضحة بين دول المنطقة من حيث حجم الاحتياطي وبين قدرتها الفعلية على تحويل هذه الاحتياطيات إلى إنتاج وصادرات.

إنتاج الغاز الطبيعي : تكشف بيانات الإنتاج عن أهمية أكبر لإيران وقطر والسعودية، حيث تُعد إيران من أكبر

منتجي الغاز الطبيعي في العالم، بينما أصبحت قطر إحدى أهم القوى العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال. وتشير البيانات لعام (٢٠٢٤) إلى أن إيران أنتجت نحو (٢٧٩) مليار متر مكعب من الغاز المسوق، في حين بلغ إنتاج قطر نحو (٢٠٦) مليار متر مكعب، والسعودية نحو (١٠٣) مليار م٣ والإمارات نحو (٥٨) مليار م٣ مع مستويات أقل في العراق والكويت وعُمان، وتختلف  أرقام الإنتاج قليلا بين المصادر نتيجة اختلاف طرق القياس وتعريف الإنتاج الغازي. والجدول رقم (١٢) يبين لنا إنتاج الغاز الطبيعي في الدول السبع لعام (٢٠٢٤).

إنتاج الغاز الطبيعي مليار م٣ جدول رقم (١٢)

التسلسلالدولةإنتاج الغاز الطبيعي مليار م٣
١إيران٢٧٩
٢قطر٢٠٦
٣السعودية١٠٣
٤الإمارات٥٨
٥عُمان٤٢
٦الكويت١٦
٧العراق١١

المصدر: OPEC Annual Statistical, Energy Institute, Bullentin (2025)

ويظهر من الجدول أن إيران تتصدر دول الدراسة من حيث  إنتاج الغاز الطبيعي تليها قطر بفارق واضح، بينما تأتي السعودية والإمارات في مستويات إنتاجية مهمة. ويعكس ذلك أن حجم الاحتياطي لا يمثل العامل الوحيد المحدد للقوة الغازية، وإنما تتداخل معه عوامل الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية والاستهلاك المحلي والقدرة على التصدير. وتبرز حالة العراق بصورة خاصة، إذ يمتلك احتياطيات مهمة من الغاز الطبيعي، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المصاحب لإنتاج النفط، إلا أن محدودية البنية التحتية لمعالجة الغاز واستثماره أدت إلى حرق كميات كبيرة منه. ولذلك فإن تطوير قطاع الغاز العراقي يمثل فرصة اقتصادية واستراتيجية مهمة، لأنه يمكن أن يسهم في تقليل حرق الغاز وزيادة إنتاج الكهرباء، وتقليل الاعتماد على استيراد الغاز، وتحقيق إيرادات إضافية للدولة.

– الغاز الطبيعي المسال ودوره في تجارة الطاقة العالمية :
تتضح القوة الاستراتيجية لدول الشرق الأوسط بصورة أكبر عند الانتقال من الاحتياطيات والإنتاج إلى تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا. فقد بلغ حجم تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا نحو (٤١١,٢) مليون طن في عام (٢٠٢٤) بزيادة قدرها (٢,٤٪) عن عام (٢٠٢٣)، مما يؤكد

إن الغاز المسال أصبح جزءا أساسيا في منظومة الطاقة العالمية، وتأتي قطر في مقدمة دول الشرق الأوسط في هذا المجال، فقد صدرت نحو (٧٧,٢) مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في عام (٢٠٢٤)، مما يعادل نحو (١٨,٨٪) في التجارة العالمية للغاز المسال، وجاءت في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

كما صدرت عُمان نحو (١١,٢) مليون طن، والإمارات نحو (٥,٧) مليون طن في العام نفسه.والجدول رقم (13) يبين صادرات الغاز الطبيعي المسال(LNG) في دول الشرق الأوسط محل الدراسة لعام (٢٠٢٤).

جدول رقم (١3) صادرات (LNG) عام (٢٠٢٤)

الدولةصادرات (LNG) عام (٢٠٢٤) مليون طن
قطر٧٧,٢ من أكبر مصدري LNG في العالم
عُمان١١,٢ مصدر مهم للغاز المسال
الإمارات٥,٧ صادرات محدودة مقارنة بقطر
إيرانـ لا تملك صادرات LNG
السعوديةـ لا توجد صادرات LNG
العراقـ لا توجد صادرات LNG
الكويتلا تعد دولة مصدرة LNG

المصدر: International • Gas union, world LNG Report 2025

ويكشف هذا الجدول عن نقطة مهمة، وهي أن الدولة التي تمتلك احتياطا كبيرا من الغاز ليست بالضرورة دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، فإيران على سبيل المثال تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم تقريبا بعد روسيا ولكنها لا تمتلك صناعة (LNG) تجارية مماثلة لصناعة قطر، نتيجة مجموعة من العوامل من بينها العقوبات والقيود الاستثمارية والتكنولوجية والبنية التحتية. وفي المقابل، استطاعت قطر تحويل احتياطياتها الضخمة إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية عالمية من خلال الاستثمار في إنتاج الغاز ومعالجته وتسييله وإنشاء أسطول نقل وشبكة واسعة من الأسواق والعقود طويلة الأجل. ومن المتوقع أن تزداد هذه المكانة خلال السنوات المقبلة مع توسعات حقل الشمال، التي تؤدي إلى رفع القدرة القطرية على إنتاج الغاز الطبيعي المسال بصورة كبيرة.

٢ – الأهمية الجيوسياسية للغاز في الشرق الأوسط: أن أهمية الغاز الطبيعي في الشرق الأوسط لا تتوقف عند حجم الاحتياطيات والإنتاج والصادرات، وإنما ترتبط أيضا بالموقع الجغرافي للمنطقة. فجزء كبير من الغاز الطبيعي المسال المنتج في الخليج العربي يمر عبر مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل المضيق جزءا من منظومة أمن الغاز العالمي، وليس النفط فقط.

وتُشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو (٢٠٪) من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عبر مضيق هرمز في عام (٢٠٢٤)، وكان معظمها من قطر، إضافة إلى صادرات الإمارات، كما أن نحو (٨٣٪) من الغاز المسال الذي يمر عبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية، وكانت الصين والهند وكوريا الجنوبية من أهم الوجهات. والجدول رقم (١٤) يبين أهمية مضيق هرمز في تجارة الغاز الطبيعي المسال – عام (٢٠٢٤).

اترك تعليقًا

عرض
Drag