عشر دقائق من القصف الإسرائيلي مزّقت الحياة في لبنان
“لا شيء سيعيد ابني”:
bbc
في الضواحي الجنوبية لبيروت، بات التعرف على “حيّ السلم” أمراً بالغ الصعوبة.
فبعد أن كان منطقة حيوية مكتظة بالسكان، تبدلت ملامحه اليوم إلى مشهد من الخرسانة المنهارة والمعادن الملتوية والأسلاك المكشوفة، فيما تحولت المنازل إلى أكوام من الركام، والسلالم إلى هياكل بلا نهاية، وسط صمت خيّم على ضجيج الحياة اليومية.
وعلى الرغم من الهجمات الإسرائيلية المتكررة منذ اندلاع الحرب مع إيران على مناطق أخرى من الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يتمتع حزب الله بنفوذ واسع، يقول السكان إن هذا الحي ظل هادئاً حتى عصر 8 نيسان/أبريل.
وفي حين شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت، أوامر إخلاء متكررة وغارات جوية منذ بداية الحرب، يؤكد السكان أن عدداً قليلاً فقط غادر “حي السلم”، بسبب غياب أي وجهة بديلة يلجؤون إليها، مشيرين إلى أن الحي بقي نسبياً بمنأى عن التصعيد خلال تلك الفترة.
في يوم الأربعاء ذلك، كان عباس، نجل محمد، نائماً في منزله عندما استُهدف المبنى بغارة جوية إسرائيلية. ويقول محمد: “الطوابق الثلاثة التي تعلو طابقي انهارت دفعة واحدة، وسقطت فوقه“.
وجاء ذلك ضمن موجة غارات عنيفة بدأت عند الساعة 2:15 بعد الظهر بالتوقيت المحلي، واستهدفت، بحسب الجانب الإسرائيلي، نحو 100 هدف في مختلف أنحاء لبنان خلال 10 دقائق فقط.
وخلال هذه الدقائق القليلة، خلّفت الغارات دماراً يُعد الأوسع في يوم واحد منذ اندلاع الحرب. وبينما شملت الأهداف المعلنة مراكز قيادة تابعة لحزب الله ومواقع عسكرية، كان من بين الضحايا عدد كبير من المدنيين اللبنانيين.
وبحسب السلطات اللبنانية، ارتفعت حصيلة قتلى ذلك اليوم إلى 361 شخصاً، إضافة إلى أكثر من ألف جريح.
“هذا المنزل الثاني الذي أخسره“
في الأسابيع التي أعقبت الهجوم، زارت بي بي سي عدداً من المناطق المتضررة لجمع تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم، حيث التقت بمحمد وسط أنقاض شقته.
يقول محمد: “هذا هو المنزل الثاني الذي أفقده. في الحرب الأخيرة (عام 2024) فقدت منزلاً، وفي هذه الحرب الآخر”. ويضيف: “كنت أتمنى لو أنني فقدت المنزل فقط وبقي ابني على قيد الحياة. يمكن إعادة بناء هذا البيت، لكن لا شيء يمكن أن يعيد ابني“.
ويؤكد أن جميع الضحايا كانوا من سكان المبنى، قائلاً: “لو كنت أعتقد ولو بنسبة 1 في المئة أن هناك احتمالاً لوجود أحد من حزب الله هنا، لما بقيت. لن أعرّض حياة ابني للخطر أبداً“.
ويضيف: “ربما، وبحكم أنني في الخامسة والأربعين، أتحمل المخاطر على نفسي، لكن لا يمكنني أن أضع شاباً في مقتبل العمر في مبنى إذا كان هناك أي خطر محتمل“.
وبعد وفاة ابنه، عبّر محمد في مقابلة مع وسائل إعلام محلية عن تعاطفه مع حزب الله، مطالباً إياه بالدفاع عن لبنان. وهو شعور يردده عدد من من التقيناهم في مناطق تتعرض لهجمات إسرائيلية متكررة.
أطلق حزب الله، وهو جماعة مسلحة وحزب سياسي لبناني مدعوم من إيران، صواريخ باتجاه إسرائيل في 2 آذار/مارس، ردّاً على هجمات أمريكية وإسرائيلية استهدفت إيران. وجاء ذلك في ظل توغل إسرائيلي أوسع في جنوب لبنان، إلى جانب محاولات إضافية لاستهداف قيادة الحزب.
وفي 8 أبريل/نيسان، أُعلن عن وقف مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في هدنة ضمن حرب إقليمية واسعة النطاق أعادت تشكيل الشرق الأوسط.
ورغم تأكيد إسرائيل أن لبنان غير مشمول بهذا الاتفاق، ساد تفاؤل حذر بين السكان، قبل أن يتجدد التصعيد في وقت لاحق.
“ساد الصمت في كل مكان“
من خلال تحليل مقاطع فيديو موثّقة ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وصور أقمار صناعية، ومقارنتها بشهادات شهود عيان، حددنا خمس غارات على الأقل استهدفت حيّ السلم تباعاً.
وأفادت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية بمقتل علي محمد غلام دهيني في الحي، مشيرة إلى أنه كان شخصية بارزة في حزب الله. كما عُثر على نعي يصفه بأنه مقاتل في الحزب. وقد طلبنا من الجيش الإسرائيلي توضيح ما إذا كان دهيني هدفاً للهجوم، لكنه لم يرد على هذا السؤال، كما لم يقدّم أي معلومات محددة حول هوية الأهداف في حي السلم.

رجل يقف على جسر يتفقد الدمار في بيروت بعد هجوم 8 أبريل/نيسان.
يتضح حجم الخسائر في صفوف المدنيين، إذ أفادت وزارة الصحة اللبنانية بمقتل أكثر من 80 شخصاً في هذا الحي. ويشير تحليلنا إلى أن ما لا يقل عن 15 طفلاً كانوا من بين الضحايا.
وقد أعاقت الطرق الضيقة بين المباني المتراصة في حي السلم جهود الإنقاذ، حيث يصف السكان أشخاصاً محاصرين تحت الأنقاض، يصرخون طلباً للمساعدة، ويرسلون رسائل استغاثة، في انتظار الوصول إليهم.
وكان غسان جواد من أوائل الواصلين إلى مستشفى قريب. وكان نائماً عندما انهار المبنى عليه وعلى عائلته.
يقول: “وجدت نفسي فجأة تحت الأرض. ظننت أنني ميت”. ويتذكر أصوات الصراخ من حوله. “بدأت بالصلاة، لأنني أدركت أن النهاية قد حانت“.
ويضيف أن أمراً غير متوقع وقع حينها: “قطتي بدأت تحفر، وفتحت فجوة صغيرة سمحت لي بالتنفس“.
وبعد نحو 10 دقائق، بدأ يسمع أصواتاً من فوقه، بينما شرع الجيران بالحفر وسط الركام. ويقول: “جلبوا مطارق وقضباناً معدنية وأخرجوني”، مشيراً إلى أن آخرين لم ينجوا من الحادث.
ويضيف بصوت خافت: “كنت أسمع الناس يموتون. سمعت أمي تصلي بجانبي، ثم انقطع صوتها”. وقد قُتلت والدته وشقيقتاه وأطفالهن جميعاً. ويختم بالقول: “ساد الصمت… صمتٌ تام“.
هجوم متزامن
على بعد أربعة أميال فقط (نحو 6.5 كلم)، في وسط بيروت، استهدف حيّ آخر هو كورنيش المزرعة، أحد أكثر أحياء المدينة ازدحاماً. عند الساعة 14:15 كانت حصة رياضية قائمة، وكان مطعم يجهّز الطعام، فيما كان حلاق ينهي قصة شعر.
وفجأة ودون أي إنذار مسبق، دوّت الانفجارات، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية. وكانت هذه المرة الأولى التي يستهدف فيها الحي خلال هذه الحرب.
وفي تلك الأثناء، كانت نهى، وهي مدربة لياقة بدنية، تعمل في الطابق السابع عندما أصابت قنبلتان مستودعاً لشركة حلويات، ما أدى إلى انفجار قوي خلّف أضراراً واسعة في المباني المجاورة.
أخبرتني أنها لطالما شاهدت من بعيد الضاحية الجنوبية لبيروت وهي تتعرض للقصف، دون أن تتخيل أن تصل الهجمات إلى قلب المدينة. وتقول: “بالنسبة لنا، حدث هذا من دون أي إنذار“.
وتضيف: “نظرت إلى الخارج، فوجدت كل شيء غارقاً في الظلام. رأيت أشخاصاً مغطّين بالدماء، وآخرين ممددين على الأرض“.
وتتساءل نهى عن سبب استهداف المنطقة، قائلة: “كان الهدف مدنياً بكل تأكيد. نحن من تضررنا“.
وبحسب التحقيق، لم يتم العثور على أي دليل يشير إلى وجود هدف تابع لحزب الله في الموقع. كما جرى التواصل مع الجيش الإسرائيلي، لكنه لم يُجب.

تمكنت نهى من رؤية الدمار من الأعلى بعد هجوم كورنيش المزرعة
مقتل شقيقتين
رصدت أربع غارات أخرى على الأقل ضمن دائرة لا تتجاوز ميلاً واحداً من الصالة الرياضية.
وعلى امتداد البلاد، تكررت مشاهد مشابهة خلال فترة زمنية لم تتجاوز عشر دقائق، من الهرمل شمالاً، مروراً بسهل البقاع، وصولاً إلى قرى في أقصى الجنوب، حيث وردت تقارير عن ضربات متزامنة.
وكانت مدينة صيدا الجنوبية من بين المناطق التي استهدفت بدون إنذار مسبق، إذ أدّت الغارات إلى تدمير مجمع الزهراء الديني التابع لحزب الله.
وفي المكان، كانت رحمة البالغة من العمر 27 عاماً وريان ذات 22 عاماً، وهما شابتان من عائلة نزحت سابقاً من منزلها قرب الحدود مع إسرائيل، داخل المسجد لحظة وقوع الهجوم.

امرأة محجبة ترفع صورة لإحدى بناتها المتوفيات
تقول كوكب، والدة الشابتين: “قالتا إنهما ذاهبتان للصلاة، وبعد نصف ساعة استهدف المجمع”. وتؤكد أن الفتاتين قتلتا في الهجوم. وتضيف: “جئنا إلى هنا بحثاً عن الأمان“.
كما قتل في الهجوم الإمام في مجمع الزهراء، الشيخ صادق نابلسي، الذي ارتبط بعلاقات فكرية وعائلية وثيقة بحزب الله، رغم عدم توليه أي منصب رسمي. وقتل أيضاً مسؤول رفيع في حزب الله ضمن وحدة الاتصال والتنسيق، محمد معنية، في حين رفض الجيش الإسرائيلي تأكيد ما إذا كان أيّ منهما هو الهدف المقصود.
وتمكنّا أيضاً من تحديد هوية سبعة من أصل تسعة أشخاص آخرين أفادت تقارير بمقتلهم في الموقع، وتشير جميع المعطيات المتاحة إلى أنهم كانوا من المدنيين.

أنقاض مسجد الزهراء في صيدا وقتلت الشقيقتان أثناء أدائهما الصلاة في المسجد
أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف 250 عنصراً من حزب الله في ذلك اليوم، من دون أن يقدّم قائمة كاملة بالأسماء. في المقابل، تنفي وزارة الصحة اللبنانية هذا الادعاء، مؤكدة أن الغالبية العظمى من القتلى كانوا من المدنيين.
ورداً على سؤال حول الإجراءات المتخذة لحماية المدنيين، قال الجيش الإسرائيلي إنه بذل “جهوداً مكثفة للحد من الأضرار التي قد تلحق بالأفراد غير المتورطين“.
كما ذكر الجيش الإسرائيلي أن معظم المواقع المستهدفة كانت تقع “في قلب المناطق السكنية، في إطار استغلال حزب الله للمدنيين اللبنانيين كدروع بشرية لحماية عملياته“.
وينفي حزب الله هذه الادعاءات، مؤكداً أن إسرائيل تستهدف المدنيين كوسيلة ضغط. وأضاف الحزب، المصنّف منظمة إرهابية من قبل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وعدد من دول الخليج العربية، أنه لم يكن يسعى إلى الحرب، وأنه يتحرك في إطار الدفاع عن النفس.
في 8 نيسان/أبريل، أعلنت إسرائيل أنها استهدفت 100 هدف خلال 10 دقائق، ما جعل ذلك اليوم من بين أكثر الأيام دموية في لبنان منذ عقود. وأفادت السلطات اللبنانية بمقتل أكثر من 360 شخصاً وإصابة ما يزيد على 1000 آخرين.
وأطلقت إسرائيل على العملية اسم “الظلام الأبدي”، فيما يصفها اللبنانيون الذين عاشوا أحداثها بـ”الأربعاء الأسود”.
