Skip links

العراق أمام ثورة الذكاء الاصطناعي

تطور متسارع وتشريعات متأخرة

لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً نظرياً أو ترفاً تقنياً، بل أصبح واقعاً يومياً يندمج مع تفاصيل الحياة الإنسانية، من الخدمات الصحية والتعليمية إلى الاقتصاد والإعلام.

ومع هذا التحول المتسارع، يتصاعد جدل عالمي حول تأثير هذه التقنية، إذ يرى البعض أنها تمثل بوابة لازدهار غير مسبوق، بينما يعتقد آخرون أنها تحمل في طياتها تحديات أخلاقية واجتماعية قد تقود إلى ما يُعرف بـ”الفوضى التقنية“.

واقع يفوق الخيال

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مؤسسة بغداد للتواصل الرقمي وأستاذ الإعلام الرقمي في جامعة بغداد، الدكتور صفد الشمري، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبح حاضراً في مختلف مفاصل الحياة، من الهواتف الذكية إلى إدارة المؤسسات الكبرى وحتى الحروب.

ويشير الشمري خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن هذه الطفرة التقنية، رغم ما تحمله من إنجازات، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الإنسان ودوره، في ظل قدرة الآلات على أداء مهام كانت حكراً على العقل البشري، مثل الكتابة والتحليل واتخاذ القرار.

لكن في الجانب الإيجابي، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة أمام البشرية، ففي القطاع الصحي، تسهم الأنظمة الذكية في تشخيص الأمراض مبكراً وتحسين دقة العلاج، بينما يوفر في التعليم فرص تعلم مخصصة تراعي الفروق الفردية بين الطلبة.

ويرى متخصصون أن هذه التقنية قادرة على تعزيز الاقتصاد العالمي عبر رفع الإنتاجية وتقليل التكاليف، فضلاً عن تمكين الدول النامية من تقليص الفجوة مع الدول المتقدمة إذا أحسنت استثمارها.

تحديات متصاعد

وفي هذا الجانب، يؤكد أستاذ الإعلام الرقمي في جامعة بغداد، الدكتور عادل الغريري، أن الاستخدام الصحيح للذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق إنجازات كبيرة في مجالات الصحة والصناعة والطاقة والبيئة، ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتقليل التلوث.

ورغم هذه الفرص، تبرز مخاوف جدية تتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مبيناً الغريري خلال حديثه لوكالة شفق نيوز ذلك بالقول: حيث قد يؤدي الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية إلى تقليص الوظائف التقليدية وزيادة البطالة الرقمية.

كما تتوسع التحديات لتشمل الجانب الأخلاقي، إذ أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج محتوى مزيف يصعب تمييزه، مما يهدد مصداقية المعلومات ويزيد من احتمالات التضليل الإعلامي والسياسي.

ويحذر الغريري، من أن الاستخدام غير المنضبط لهذه التقنيات قد يؤدي إلى أزمات أخلاقية واجتماعية، مثل سرقة البحوث العلمية والهجمات السيبرانية وتزييف الحقائق، وهو ما قد يخلق حالة من عدم الاستقرار المجتمعي.

تشريعات متأخرة

ويشير أستاذ الإعلام الرقمي، أن المخاوف تزداد مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي مقارنة ببطء التشريعات المنظمة له، ففي ظل غياب الأطر القانونية الواضحة، قد تتحول هذه التقنية إلى أداة للهيمنة أو المراقبة أو حتى إدارة الصراعات الرقمية.

ويبرز هذا التحدي بشكل أكبر في الدول التي لا تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة أو استراتيجيات واضحة، حيث تصبح أكثر عرضة لمخاطر التضليل الرقمي والانتهاكات التقنية، وهو ما ينطبق بدرجات متفاوتة على العراق.

التحول الرقمي في العراق

وفي هذا السياق، تبدو الصورة أكثر صعوبة، إذ يواجه البلد تحديات في البنية التحتية الرقمية والتعليم، إلى جانب محدودية الوعي التقني لدى بعض الفئات.

ومع ذلك، تبقى الفرصة قائمة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين الخدمات العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بشرط وجود سياسات واضحة واستثمار حقيقي في التعليم الرقمي.

ومن هذا المنطلق، يشدد الأكاديمي والإعلامي، الدكتور حسن حميد، على أن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة محورية في تشكيل مستقبل البشرية، إذ يفتح آفاقاً واسعة للتقدم والازدهار في مختلف المجالات.

وفي الوقت نفسه، ينبه حميد خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، على أن الذكاء المعتمد على الخوارزميات يفرض تحديات أخلاقية واجتماعية تتطلب إدارة واعية، وأن التوازن بين الابتكار والتنظيم سيكون العامل الحاسم لتجنب أي فوضى تقنية وضمان توظيفه بما يخدم الإنسان والمجتمع.

ويؤكد الأكاديمي في الختام أن الحاجة باتت ملحّة إلى وضع تشريعات واضحة تحمي الخصوصية وتعزز الشفافية، إلى جانب الاستثمار في الوعي والتعليم الرقمي لضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.

وتؤكد السلطات المتخصصة أن العراق يشهد تحولاً رقمياً متسارعاً تقوده اللجنة العليا للذكاء الاصطناعي برئاسة رئيس الوزراء، حيث أعلنت وزارة التخطيط في مطلع عام 2026 عن استراتيجية وطنية لاعتماد منظومة ذكاء اصطناعي سيادية تهدف لحماية البيانات الوطنية وأتمتة العمل التنموي.

وقد تُرجمت هذه التوجهات عملياً بافتتاح جامعة بغداد لأول كلية متخصصة بالذكاء الاصطناعي للعام الدراسي 2025-2026.

ورغم هذا التقدم، تؤكد التقارير الرسمية على ضرورة استكمال البنية التشريعية والتقنية لضمان استخدام آمن ومستدام لهذه التقنيات في مختلف القطاعات.

اترك تعليقًا

عرض
Drag