العراق فقير فقط عندما يحين موعد راتب المواطن!
كلما اقترب موعد الرواتب، تبدأ الأسطوانة المشروخة:
“ما عدنا فلوس… النفط نازل… الموازنة تعاني من العجز… انتظروا… اصبروا… شدّوا الأحزمة!”
والمواطن، المسكين، يفتح الثلاجة فلا يجد فيها إلا الهواء، ويفتح الحنفية فلا يجد ماءً، ويشغّل الكهرباء فيجدها غائبة، ثم يسمع من المسؤول:
“على المواطن أن يتحمل!”
طبعاً المواطن يتحمل…
منذ سنوات وهو يتحمل!
يتحمل انقطاع الكهرباء، ويتحمل شح المياه، ويتحمل البطالة، ويتحمل الغلاء، ويتحمل الضرائب، ويتحمل الرسوم، ويتحمل الفساد، ويتحمل المحاصصة، ويتحمل سوء الإدارة…
وبقي عليه أن يتحمل أيضاً تصريحات المسؤولين!
لكن دعونا نسأل السؤال الذي يبدو أنه ممنوع من التداول:
هل العراق لا يملك إلا النفط؟
الجواب ببساطة:
لا.
العراق لديه النفط والغاز، ولديه الضرائب، والجمارك، والمنافذ الحدودية، والموانئ، والمطارات، والاتصالات، وأملاك الدولة، والمصارف الحكومية، والشركات العامة، ورسوم التسجيل العقاري، ورسوم المحاكم، ورسوم الجوازات والإقامات، ورسوم المركبات، والجامعات، والمستشفيات، والتراخيص، والاستثمارات، والغرامات، والسياحة، والآثار، وغيرها من الموارد.
لكن المشكلة ليست في أن العراق لا يملك موارد.
المشكلة أن الدولة العراقية ما زالت تعتمد على النفط اعتماداً مفرطاً، فيما بقيت بقية الموارد ضعيفة التحصيل أو غير مستثمرة بالشكل الكفوء.
وبحسب بيانات وزارة المالية، بلغت الإيرادات المسجلة حتى تشرين الثاني 2024 نحو 135 تريليون دينار، كان نحو 119 تريليون دينار منها نفطية، مقابل نحو 16 تريليون دينار إيرادات غير نفطية.
أي أن النفط كان يمثل قرابة 88% من الإيرادات.
وهنا السؤال:
بعد أكثر من عقدين من ارتفاع أسعار النفط، أين ذهبت فرصة بناء اقتصاد حقيقي؟
وزارة النفط… الدولة داخل الدولة!
النفط هو المورد الأكبر.
نفط خام، غاز، مشتقات، منتجات نفطية، استثمارات، شركات، عقود، جولات تراخيص…
لكن المواطن لا يرى من كل هذه الثروة إلا شيئاً واحداً:
برميل النفط يُباع… ثم تبدأ رحلة البحث عن الراتب!
وهنا يصبح المواطن العراقي في موقف غريب:
بلد من أكبر منتجي النفط في العالم، وعندما تنخفض الأسعار يبدأ المسؤول بالبحث عن آلة حاسبة ويقول:
“كيف سندفع الرواتب؟”
وكأن العراق لا يملك إلا بئر نفط واحداً في حديقة منزل أحد المسؤولين!
وزارة المالية… “أم الخبزة”!
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الضرائب.
الجمارك.
أملاك الدولة.
المصارف الحكومية.
السندات.
الرسوم.
الاستثمارات.
التحصيلات.
والسؤال:
هل المواطن يعرف كم تدخل هذه الموارد إلى خزينة الدولة فعلياً؟
هل هناك كشف شهري شفاف يقول:
هذه إيرادات الضرائب…
وهذه إيرادات الجمارك…
وهذه إيرادات المنافذ…
وهذه إيرادات أملاك الدولة…
وهذه أرباح المصارف الحكومية…
وهذه إيرادات الاتصالات…
وهذه إيرادات الموانئ…؟
أم أن المواطن عليه فقط أن يعرف شيئاً واحداً:
“ماكو فلوس!”
المنافذ الحدودية… أبواب العراق المالية
العراق بلد يستورد مليارات الدولارات من البضائع سنوياً.
إذن أين تذهب الرسوم الجمركية؟
وأين تذهب إيرادات المنافذ؟
وكم يدخل إلى خزينة الدولة؟
وكم يضيع بسبب التهرب والفساد والتلاعب؟
هذه ليست أسئلة ترفية.
هذه أسئلة تتعلق بمليارات الدولارات.
الاتصالات… الهاتف الذي لا يصمت
المواطن يدفع يومياً لشركات الهاتف والإنترنت.
يدفع اشتراكاً.
ويدفع تعبئة.
ويدفع خدمات.
وتدفع الشركات تراخيص ورسومًا للدولة.
فأين الأرقام؟
كم تحصل الدولة من قطاع الاتصالات سنوياً؟
ولماذا لا تكون هناك لوحة إلكترونية مفتوحة للمواطن، تعرض الإيرادات بالتفصيل؟
أم أن الإنترنت عندنا سريع في تحميل الفيديوهات فقط، وبطيء جداً عندما يتعلق الأمر بتحميل بيانات الإيرادات الحكومية؟
الموانئ والمطارات
العراق يمتلك موانئ.
ويمتلك مطارات.
ويمتلك موقعاً جغرافياً يمكن أن يجعله مركزاً للنقل والتجارة.
رسوم.
مناولة.
خدمات.
عبور أجواء.
ملاحة جوية.
نقل بحري.
لكن السؤال:
كم تبلغ الإيرادات السنوية؟
وكم تدخل إلى الخزينة؟
وكم تنفق؟
وأين تذهب؟
أملاك الدولة… ثروة لا يعرف المواطن حجمها
العراق يمتلك أراضي وعقارات ومباني وأملاكاً عامة.
بعضها مؤجر.
بعضها مستثمر.
بعضها مهمل.
وبعضها لا يعرف المواطن حتى أين يقع!
فهل توجد قاعدة بيانات وطنية معلنة لكل أملاك الدولة؟
كم قيمتها؟
كم عائداتها؟
ومن يستثمرها؟
وبأي أسعار؟
هذه الملفات وحدها تحتاج إلى ثورة في الشفافية.
التعليم والصحة والنقل والكهرباء
هناك رسوم في الجامعات.
وهناك رسوم في بعض الخدمات الصحية.
وهناك إيرادات في المطارات والموانئ.
وهناك أجور للكهرباء.
وهناك رسوم للنقل.
لكن هنا يجب أن نكون دقيقين:
ليس كل رسم يدفعه المواطن يدخل مباشرة إلى خزينة الدولة الاتحادية، وليس كل إيراد يمكن جمعه فوق إيراد آخر؛ فبعض الإيرادات تذهب إلى مؤسسات أو صناديق أو حكومات محلية، وبعضها يدخل ضمن حسابات الموازنة العامة.
ولهذا فإن الحساب الحقيقي يجب أن يكون بالأرقام الرسمية، لا بالجمع العشوائي.
لكن ذلك لا يعفي الدولة من سؤال أكبر:
لماذا لا يعرف المواطن العراقي الحساب الكامل لدولته؟
المواطن يدفع… والدولة تقول “ما عندي”!
المواطن يدفع ضريبة.
ويدفع رسوماً.
ويدفع جمارك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عندما يشتري سلعة مستوردة.
ويدفع رسوم تسجيل.
ويدفع أجور خدمات.
ثم يسمع:
“اصبر… ما عندنا فلوس!”
وهنا يحق له أن يسأل:
إذا كانت الدولة تحصل من كل هذه الأبواب…
فأين تذهب الأموال؟
هل المشكلة في الإيرادات؟
أم في الإنفاق؟
أم في الفساد؟
أم في ضعف الإدارة؟
أم في تضخم الجهاز الحكومي؟
أم في الاقتصاد الريعي؟
أم في كل ذلك معاً؟
الحقيقة المرة
العراق ليس بلداً فقيراً.
العراق بلد غني بالموارد.
لكنه بلد يعاني من سوء إدارة الثروة.
وهناك فرق هائل بين الاثنين.
قد تكون لديك مليارات الدولارات من النفط، لكن إذا أنفقتها على الرواتب والتقاعد والدعم والاستهلاك، ولم تبنِ صناعة وزراعة وسياحة ونقلاً واتصالات واقتصاداً منتجاً، فسوف تبقى كل عام تعود إلى السؤال نفسه:
“من أين سندفع الرواتب؟”
وهكذا يصبح النفط مثل راتب موظف كبير:
ينزل في بداية الشهر…
وفي منتصف الشهر لا يبقى منه شيء!
أين ذهبت الثروات؟
وهنا يجب أن نكون واضحين:
من حق المواطن أن يسأل عن ثروات المسؤولين، وأن يطالب بكشف الذمم المالية، وأن يسأل عن مصادر الثروات، وأن يطالب بمحاسبة كل من تثبت عليه جريمة فساد.
لكن لا يجوز تحويل الاتهامات غير المثبتة إلى حقائق نهائية.
فإذا كانت هناك ادعاءات عن مسؤول أو موظف أو شخصية سياسية تمتلك أموالاً أو عقارات أو ذهباً بمليارات الدنانير، فإن الطريق الصحيح هو:
التحقيق… التدقيق… القضاء… ثم الحكم.
لا التبرئة قبل التحقيق، ولا الإدانة قبل القضاء.
لكن السؤال الأهم يبقى:
كيف يمكن لشخص دخل إلى الوظيفة العامة بثروة محدودة أن يصبح بعد سنوات من العمل مليارديراً؟
هذا سؤال مشروع.
وإذا كانت الثروة مشروعة، فليعلن صاحبها مصدرها.
وإذا كانت غير مشروعة، فليُحاسب صاحبها.
هكذا تبنى الدولة.
لماذا يتقاتلون على السلطة؟
إذا كانت السياسة خدمة عامة فقط…
فلماذا كل هذا الصراع؟
لماذا كل هذا التنافس على المناصب؟
لماذا تصبح الوزارة “غنيمة”؟
ولماذا يصبح المنصب طريقاً إلى النفوذ؟
ولماذا تتحول الدولة في بعض الأحيان إلى شبكة مصالح؟
الجواب لا يحتاج إلى خطب طويلة.
السلطة عندما تتحول من وسيلة لخدمة الناس إلى وسيلة للنفوذ والثروة، تصبح المعركة عليها شرسة.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تكون بالشعارات.
بل تبدأ من:
كشف الذمم المالية.
إعلان العقود.
رقمنة الجمارك.
رقمنة الضرائب.
توحيد الحسابات الحكومية.
إلغاء الحسابات خارج الموازنة.
تفعيل الرقابة.
استقلال القضاء.
محاسبة الفاسد مهما كان منصبه.
رسالة إلى المواطن العراقي
لا تصدق من يقول لك إن العراق لا يملك إلا النفط.
ولا تصدق أيضاً من يقول لك إن كل وزارة تحقق ترليون دينار شهرياً، ثم يجمع الأرقام ويعلن أن الدولة تملك 30 أو 40 ترليون دينار شهرياً، من دون أن يقدم وثيقة رسمية.
الحقيقة تحتاج إلى أرقام.
العراق لديه موارد ضخمة ومتنوعة، لكن الجزء الأكبر من الإيرادات العامة ما زال يأتي من النفط.
والعراق ليس فقيراً…
لكن المواطن يريد أن يعرف:
كم دخل؟
كم خرج؟
من أنفق؟
أين ذهب؟
ومن استفاد؟
المواطن لا يريد أن يسمع:
“اصبر… البلد ما عنده فلوس!”
بل يريد أن يرى:
موازنة شفافة.
إيرادات معلنة.
نفقات معلنة.
عقود معلنة.
ذمم مالية معلنة.
ومحاسبة حقيقية.
لأن العراق الذي يملك كل هذه الثروات لا يجوز أن يبقى المواطن فيه خائفاً كل شهر من سؤال:
“هل سينزل الراتب أم لا؟”
وفي النهاية، هناك حقيقة واحدة لا يمكن الهروب منها:
المشكلة ليست فقط كم يملك العراق من المال…
بل:
من يدير المال؟ وكيف يُدار؟ وأين يذهب؟
وهذه الأسئلة الثلاثة هي التي يجب أن يبدأ منها الإصلاح الحقيقي.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
