Skip links

الامومة والطفولة اولا

مشتاق الربيعي

لقد تعرضت النساء اللواتي يرفضن تعديل قانون الأحوال الشخصية إلى حملة غير مسبوقة من الإساءة، شملت الشتائم والطعن بالشرف وإطلاق اتهامات باطلة لا تستند إلى دليل أو برهان، لمجرد تعبيرهن عن رفضهن للتعديل ومطالبتهن بحقوقهن المشروعة التي كفلها الدستور. وتعكس هذه الممارسات تراجعًا في أخلاقيات الحوار، حين يُستعاض عن مناقشة الأفكار بالحجة والمنطق بالتشهير والإساءة.

وقد لوحظ ذلك بوضوح عبر مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، من خلال العديد من المنشورات والتعليقات التي تضمنت إساءات شخصية واتهامات باطلة وخطابًا بعيدًا عن الحوار الهادف. ونؤكد رفضنا القاطع للإساءة إلى أي شخص، مهما كان انتماؤه أو موقفه، فالحوار ينبغي أن يكون هادفًا وموضوعيًا، قائمًا على الاحترام المتبادل والحجة والمنطق، بعيدًا عن التجريح والتشهير، لأن ذلك من أبجديات الحوار وأخلاقيات الاختلاف في المجتمعات المتحضرة.

إن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي، لكنه لا يبرر التجريح أو التخوين أو المساس بكرامة الآخرين. فحرية الرأي والتعبير حق مكفول للجميع، واحترام الرأي الآخر وتقبل الاختلاف هما الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات المتماسكة.

ومن وجهة نظر الرافضين للتعديل، فإن الصيغة التي أُقر بها القانون تتعارض مع مبادئ العدالة التي أرستها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وكان من الأجدر أن يسبق أي تعديل حوار وطني تشارك فيه نخبة من خبراء القانون والقضاة ورجال الدين وممثلي منظمات المجتمع المدني، لضمان إصدار تشريع يحقق المصلحة العامة ويحظى بأوسع قدر ممكن من التوافق المجتمعي.

وقد أثار هذا التعديل جدلًا واسعًا، وقوبل باعتراضات على المستويين الشعبي والدولي، إذ أعربت جهات تابعة لمنظومة الأمم المتحدة، إلى جانب عدد من منظمات المجتمع المدني، وبعض الأحزاب، وشخصيات سياسية وحقوقية وفنية وأدبية، عن رفضها للتعديل أو أبدت تحفظات عليه، مطالبةً بإعادة النظر فيه وفتح حوار مجتمعي وقانوني أوسع بشأنه. ورغم هذه الاعتراضات، أصرّ بعض أعضاء مجلس النواب الموقر على المضي في تشريعه.

ولكي لا نتناسى أن بلاد الرافدين كانت مهدًا لأقدم التشريعات القانونية، فقد شُرِّعت مسلة حمورابي قبل آلاف السنين، ومن هذا الإرث الحضاري العريق ينبغي أن نستمد رؤيتنا لبناء حاضر أكثر عدلًا وإنصافًا، عبر سنّ تشريعات تصون الحقوق والحريات، وتحمي الأسرة والطفولة، وتعزز قيم المواطنة وسيادة القانون، بما يليق بتاريخ العراق ومكانته الحضارية.

وفي الختام، نأمل أن يكون الاختلاف في الآراء منطلقًا لحوار هادف وبنّاء، قائمًا على الاحترام المتبادل والحجة والمنطق، بعيدًا عن الاتهامات الباطلة والتجريح والطعن بالكرامة الإنسانية. فالمجتمعات الديمقراطية تُبنى بالحوار المسؤول، لا بخطابات الكراهية والتشهير، واحترام الرأي الآخر هو السبيل الأمثل للوصول إلى تشريعات تحقق العدالة، وتصون حقوق جميع المواطنين، وترسخ دولة المواطنة وسيادة القانون.

ومهما اختلفت القوانين وتباينت الآراء، ستبقى الأمومة والطفولة أولًا، لأن حماية الأم والطفل وصون كرامتهما وحقوقهما مسؤولية أخلاقية وإنسانية ووطنية، وهي الركيزة الأساسية لبناء مجتمع عادل ومستقر، وستظل فوق كل خلاف أو جدل، لأنها تمثل مستقبل الوطن وأجياله القادمة

اترك تعليقًا

عرض
Drag