Skip links

الفاسدون لا ينهضون بالأوطان

 أ. د. محمد طاقة

قلّما عرف التاريخ أمة نهضت على ايدي الفاسدين، فحين يصل الفساد إلى مراكز القرار تتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى اداة لتحقيق المصالح الشخصية. وبدلاً من بناء الدولة، ينصرف الفاسدون إلى بناء ثرواتهم ونفوذهم، فينهبون المال العام، ويضعفون موسسات الدولة، ويعطلون مسيرة التنمية، فتدخل الأوطان في دوامة التخلف والتراجع.

ان الفساد ليس مجرد جربمة مالية أو مخالفة ادارية، بل هو آفة اجتماعية وسياسية واقتصادية تهدد حاضر الدولة ومستقبلها. فالفساد المالي والإداري هو عدو التنمية، لانه يبدد الموارد، ويمنع الاستثمار ويقوض العدالة، ويحرم المواطنين من ابسط حقوقهم في التعليم والصحة. والخدمات الأساسية.

ولا يقتصر خطر الفساد على اهدار الاموال، بل يمتد إلى افساد منظومة القيم باكملها، فحين تصبح الرشوة والمحسوبية والولاءات الضيقة بديلاً عن الكفاءة والنزاهة، تنهار معايير العدالة، ويشعر المواطن بأن القانون لايطبق إلا على الضعفاء، بينما يتمتع الفاسدون بالحماية والنفوذ.

ومن اخطر مايفعله الفساد، انه يعمل على اضعاف وعي المجتمع، فالأنظمة الفاسدة لاترغب في وجود شعب متعلم و واعٍ ، لانها تدرك ان الوعي هو اول خطوات التغيير، لذلك تهمل التعليم وتضعف المؤسسات

 الثقافية، وتشجع الانقسامات الطائفية والعنصرية والعشائرية

، وتغذي الخلافات الداخلية لتبقي السلطة بيدها، فينشغل الناس بصراعاتهم بدلاً من المطالبة بحقوقهم.

والفساد في العراق يمثل نموذجاً بالغ التعقيد، إذ لم يعد حالات فردية معزولة، بل اصبح منظومة متشابكة امتدّت إلى قطاعات ًمتعددة، وتشكلت حولها شبكات من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية. ولذلك فان معالجته لا تتحقق باجراءات شكلية او حملات إعلامية، وانما تحتاج  إلى إرادة سياسية حقيقية، واصلاح مؤسسات الدولة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتجفيف منابع الفساد ومحاسبة من يحميه ويستفيد منه.

والتجارب الدولية تؤكد هذه الحقيقة، فقد شهد العالم دولاً تمتلك ثروات طبيعية هائلة، لكن الفساد التهم مواردها وأفقدها فرص التنمية، فتحولت إلى دول تعاني الفقر والتخلف وعدم الاستقرار، وفي المقابل استطاعت دول كانت محدودة الموارد ان تحقق نهضة اقتصادية وعلميّة لانها جعلت النزاهة وسيادة القانون والشفافية اساساً للحكم والإدارة  .

ان الفاسدين يختزلون الوطن في مشاريع تخدم قلة قليلة، بينما يتركون غالبية الشعب تواجه الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات، وهم لايسرقون الاموال فحسب، بل يسرقون الامل ويبددون طموحات الأجيال، ويجعلون المواطن يشعر بالغربة في وطنه.

ولايمكن ان نتوقع من منظومة قامت على الفساد ان تقضي على الفساد، لان من كان جزءاً من المشكلة لا يستطيع ان يكون الحل.

فمحاربة الفساد يتطلب استقلال القضاء وتعزيز دور الموسسات الرقابية، وحماية الصحافة الحرة، وتمكين المجتمع من مساءلة المسؤولين وترسيخ مبدأ ان المنصب العام مسؤولية وطنية لا وسيلة للإثراء.

والفساد لا يقتصر على جانبه المادي، بل يشمل الفساد الاخلاقي والسياسي ايضاً. فهو يقوم على الكذب والتضليل واستغلال النفوذ وتزييف الحقائق وتوظيف الشعارات والدين لتحقيق مصالح خاصة، حتى يصبح الصدق استثناء، وتغدو الحقيقة ضحية  للدعاية والخداع.

وقد نسب إلى الزعيم نيلسون مانديلا القول

((الفاسدون لايبنون وطناً، وانما يسرقون روحه ويتركونه بلا ملامح)) هذا الكلام يعبر بدقة عن اثر الفساد في تدمير هوية الأوطان واضعاف انتماء مواطنيها.

وعندما يفقد المواطن ثقته بمؤسسات الدولة، تتصدع العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وضعف هيبة القانون، ويصبح البناء الوطني كله معرضاً للانهيار، فالثقة هي راس مال الدولة الحقيقي، واذا ضاعت الثقة ضاع معها الاستقرار، وتعطلت التنمية، وتراجعت قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته.

ان بناء الأوطان لاتتحقق بالشعارات ولا بالسرقات ولا باستغلال السلطة، وانما يتحقق بالنزاهة والعدالة والكفاءة واحترام القانون.

فالدولة القوية ليست بالضرورة الأكثر ثراء ، بل هي التي تحسن ادارة مواردها وتحاسب الفاسدين وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. ولذلك فان نهضة العراق، او اي بلد آخر

لن تبدأ إلا عندما تصبح مكافحة الفساد مشروعاً وطنياً شاملاً، يقوم على العدالة والمساءلة وسيادة القانون، وعندما يؤمن الجميع بأن حماية المال العام وحماية كرامة الإنسان هما الاساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وان الأوطان لايبنيها الفاسدون، بل يبنيها الشرفاء الذين يجعلون خدمة الوطن فوق مصالحهم الشخصية

 عمان

في ٢/٧/٢٠٢٦

اترك تعليقًا

عرض
Drag