الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق
حامد الضبياني
في العراقِ فقط، يمكنُ لراعٍ بدويٍّ يجلسُ على صخرةٍ قربَ صفدةٍ منسيةٍ في آخرِ خرائطِ الغبار، أن يكتشفَ إسرائيلَ كلَّ مساءٍ بعينٍ مجرّدة، بينما الأقمارُ الصناعيةُ ما تزالُ تطلبُ تحديثًا للنظام، وأجهزةُ الرادارِ تتثاءبُ كموظفٍ متقاعدٍ في دائرةٍ ماتَ مديرُها منذُ حرب الخليج ولم يُدفن بعد.يا لهُ من اكتشافٍ عظيم… اكتشافٌ جعلَ نيوتن يتركُ التفاحةَ ويسألُ بدهشة: كيف سقطَ العراقُ ولم تسقطْ شعاراتُه؟ وجعلَ غاليليو يهمسُ من قبرهِ: الأرضُ تدورُ فعلًا… لكنَّ العراقَ يدورُ حولَ نفسِ الخرابِ منذُ ألفِ خطيبٍ وألفِ معركةٍ وألفِ بيانٍ يُذاعُ من شاشةٍ تخرجُ منها رائحةُ الكذبِ أكثرَ من دخانِ المعارك.في هذا البلدِ الذي يملكُ جيشًا من المحللينَ الاستراتيجيين، وخبراءَ الصراخِ التلفزيوني، ومحللي “المؤامرة الكونية”، لم يعرفْ أحدٌ أينَ العدوُّ إلا ذلكَ الراعي الذي كانَ يعدُّ أغنامهُ تحتَ ضوءِ القمر.بينما كانتْ الدولةُ العظيمةُ مشغولةً بمناقشةِ حصصِ الوزارات، وتقاسمِ خرائبِ الوطن، وتوزيعِ السيادةِ على شكلِ بياناتٍ ناريةٍ لا تحرقُ سوى جيوبِ الفقراء.العراقُ اليومَ يشبهُ مسرحيةً كتبها مهرّجٌ عبقريٌّ ثم ماتَ من شدّةِ الضحكِ قبلَ أن يُكملَ النهاية.الجميعُ فيهِ يتحدّثُ عن الكرامةِ الوطنيةِ وهو يوقّعُ تحتَ الطاولة، يتحدّثونَ عن تحريرِ القدسِ بينما الحيُّ المجاورُ يغرقُ بالمجاري، ويصرخونَ بالموتِ لإسرائيل بينما الكهرباءُ تموتُ أربعينَ مرةً كلَّ يوم، وكأنَّ الأسلاكَ أيضًا فقدتْ إيمانها بهذا الوطن.ما أغربَ هذهِ البلاد… فيها السياسيُّ الذي لا يستطيعُ حمايةَ مدرسةٍ من المطرِ، لكنهُ مستعدٌّ لتحريرِ الكوكبِ خلالَ خطابٍ حماسيٍّ مدّتُهُ سبعُ دقائق. وفيها المسؤولُ الذي يضعُ صورةَ “المقاومة” خلفَهُ، ثم يرسلُ أبناءهُ للدراسةِ في أوروبا لأنَّ الوطنَ الذي يصرخُ لأجلهِ لا يصلحُ حتى لعلاجِ الزكام.العراقُ الذي صارَ فيهِ الوطنُ يشبهُ امرأةً عجوزًا تُسرقُ حقيبتُها كلَّ صباحٍ ثم يُقامُ لها مؤتمرٌ عن الشرفِ والعفةِ والسيادة. وطنٌ يُنهبُ باسمهِ النفطُ، وتُذبحُ باسمهِ الحقيقةُ، وتُعلَّقُ على جدرانهِ صورُ الأبطالِ أكثرَ من صورِ العلماء. حتى صارَ الجهلُ عندنا يمتطي دبابة، بينما المعرفةُ تبحثُ عن تأشيرةِ هروب.يا لهذا الزمنِ الذي تحوّلَ فيهِ الراعي إلى مركزِ رصدٍ استراتيجي، بينما الأجهزةُ الرسميةُ تتعاركُ على من يسرقُ الميكروفونَ أولًا. صارَ البدوُّ يكتشفونَ ما تعجزُ عنهُ المؤسّسات، لأنَّ الفطرةَ أحيانًا أكثرُ صدقًا من ألفِ جهازٍ استوردوهُ بصفقةٍ فاسدة.إنها ليستْ أزمةَ دولةٍ فقط، بل أزمةُ عقلٍ أدمنَ الخطابةَ حتى صارَ يظنُّ أنَّ الصراخَ علم، وأنَّ الشتيمةَ مشروعُ تحرير، وأنَّ تخوينَ الناسِ نوعٌ من الوطنية. وكلما انهارَ شيءٌ في العراقِ خرجوا علينا بخطابٍ جديدٍ عن المؤامرة، كأنَّ الشعبَ لم يعدْ يعرفُ أنَّ أكبرَ مؤامرةٍ عليهِ كانتْ تُبثُّ من الداخل، من أفواهٍ تتغذّى على الخرابِ كما تتغذّى الغربانُ على الجثث.
في العراقِ تستطيعُ أن تجدَ ألفَ بندقيةٍ موجّهةً نحوَ مواطنٍ جائع، لكنكَ لا تجدُ مسمارًا يُصلحُ مدرسةً آيلةً للسقوط.تستطيعُ أن تسمعَ ألفَ فتوى عن الشهادةِ والخيانة، لكنكَ لا تسمعُ أحدًا يفتي بحرمةِ سرقةِ قوتِ الأرامل. وكأنَّ الوطنَ صارَ مزرعةً ضخمةً للحناجرِ فقط، أما العقولُ فقدْ هاجرتْ منذُ زمنٍ وتركتْ خلفَها مكبّرَ صوت.يا للعظمةِ الزائفة… حينَ يصبحُ الذي يهدّدُ العالمَ عاجزًا عن تعبيدِ شارع، والذي يتوعّدُ إسرائيلَ يرتعبُ من صحفيٍّ فقير، والذي يتحدّثُ عن السيادةِ يفتحُ أبوابَ البلادِ لكلِّ الرياحِ إلا ريحَ الكرامة.ربما لم ينتحرِ العلمُ في العراقِ لأنَّهُ عاجز، بل لأنَّهُ شعرَ بالإهانة. كيفَ يعيشُ العلمُ في بلدٍ يُصفَّقُ فيهِ للخطيبِ أكثرَ من الطبيب؟ كيفَ يبقى المنطقُ حيًّا في أرضٍ تُدارُ بالعاطفةِ والولاءاتِ والطبول؟ وكيفَ ينجو المستقبلُ من شعبٍ يتقاتلُ على الماضي بينما الحاضرُ يُسرقُ أمامهُ كحقيبةِ مسافرٍ نائم؟
ومع هذا… يبقى العراقُ ذلكَ الكائنَ العجيب، الذي يموتُ كلَّ يومٍ ثم ينهضُ كأنَّ في ترابهِ سرًّا إلهيًّا يمنعُ النهاية.وطنٌ مُتعب، مسروق، مثقوبُ القلب، لكنّهُ ما يزالُ يضحكُ من شدّةِ وجعه، كأنَّهُ أدركَ أخيرًا أنَّ الكوميديا ليستْ فنًّا… بل هي الطريقةُ الوحيدةُ لفهمِ ما يجري هنا.
