الطلاق جرس إنذار
مشتاق الربيعي
تثير إحصائيات الطلاق المسجلة في المحاكم العراقية الكثير من القلق والتساؤلات، خصوصًا مع الارتفاع الملحوظ في أعداد حالات الطلاق، التي أصبحت ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف عندها ودراسة أسبابها وتداعياتها على الأسرة والمجتمع.
وتكشف إحصائيات مجلس القضاء الأعلى العراقي لعام 2026 أرقامًا لافتة؛ فقد سجلت المحاكم 6,250 حالة طلاق في حزيران، و6,352 حالة في تموز، و5,775 حالة في آب، ليبلغ مجموع حالات الطلاق خلال هذه الأشهر الثلاثة 18,377 حالة. وهذه الأرقام الرسمية تمثل مؤشرًا يستدعي الاهتمام والبحث الجاد في أسباب ارتفاع حالات الطلاق وسبل الحد منها.
إن هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد أعداد في سجلات المحاكم، وإنما وراء كل حالة طلاق أسرة وقصة إنسانية، وقد يكون هناك أطفال يتأثرون نفسيًا واجتماعيًا بتفكك الأسرة وانفصال الوالدين.
ومن هنا، فإن معالجة ظاهرة الطلاق لا تكون فقط بعد وقوع المشكلة ووصولها إلى المحكمة، وإنما ينبغي أن تبدأ قبل الزواج، من خلال نشر ثقافة الاختيار الواعي والتوافق وتحمل المسؤولية، وتعريف المقبلين على الزواج بحقوقهم وواجباتهم، وأهمية الحوار والتفاهم في بناء الأسرة.
ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا خاصًا تنظيم سن الزواج، بحيث يكون الزواج مرتبطًا ببلوغ سن الرشد والقدرة على تحمل المسؤولية، مع وضع ضوابط قانونية واضحة تحمي حقوق الطرفين، وبما ينسجم مع التجارب القانونية في العديد من دول العالم.
فالزواج ليس مجرد عقد أو مناسبة اجتماعية، وإنما مسؤولية مشتركة وحياة طويلة تحتاج إلى النضج والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
وفي المقابل، ينبغي التأكيد بصورة واضحة على منع الزواج بالإكراه، فمع الأسف ما زالت بعض الأسر تفرض الزواج على أبنائها وبناتها رغم عدم رغبتهم، سواء بدافع العادات والتقاليد أو الاعتبارات الاجتماعية أو الاقتصادية أو العائلية.
فالزواج بالإكراه قد تكون عواقبه وخيمة، لأن الحياة الزوجية تحتاج إلى الرضا والقبول والتفاهم والتوافق الفكري والنفسي. وعندما يدخل أحد الطرفين في الزواج من دون قناعة أو اختيار حر، فقد تتراكم الخلافات والمشكلات، وقد يتحول الزواج إلى علاقة تفتقر إلى الاستقرار والمودة، الأمر الذي قد يقود في النهاية إلى الانفصال والطلاق.
ومن الضروري أن تدرك الأسر أن مستقبل أبنائها وبناتها ليس مجالًا للفرض والإجبار. فاختيار شريك الحياة قرار مهم، ويمكن للأسرة أن تقدم النصيحة والمشورة، لكنها مطالبة في الوقت نفسه باحترام إرادة أبنائها وعدم إجبارهم على الارتباط بمن لا يرغبون به.
كما ينبغي تغيير بعض المفاهيم الاجتماعية التي تنظر إلى رفض الزواج باعتباره عيبًا أو إساءة للأسرة، لأن احترام إرادة الإنسان وحقه في اختيار شريك حياته يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في بناء أسرة مستقرة.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة والمؤسسات المختصة، ليس فقط في سن القوانين، وإنما في تطبيقها وتعزيز الحماية القانونية للمتضررين من الزواج بالإكراه، وتوفير خدمات الإرشاد الأسري والنفسي والاجتماعي للمقبلين على الزواج وللأسر التي تواجه مشكلات.
كما ينبغي أن يكون لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والناشطين المدنيين والجهات ذات العلاقة دور فاعل في مواجهة هذه الظواهر، من خلال إطلاق حملات توعية واسعة ومنظمة في المدن والأحياء والمناطق المختلفة، تتناول مخاطر الزواج بالإكراه، وأهمية الرضا والاختيار الحر، وضرورة بناء العلاقة الزوجية على أساس الاحترام والتفاهم والمسؤولية.
ولا بد أن تصل هذه الحملات إلى الشباب والشابات والأسر على حد سواء، وأن تستفيد من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمدارس والجامعات والمراكز الثقافية والدينية، حتى تصبح التوعية جزءًا من الثقافة المجتمعية وليست مجرد حملات موسمية.
كما أن للمحاكم دورًا مهمًا في هذا المجال، ليس فقط في النظر في دعاوى الطلاق، وإنما من خلال تعزيز إجراءات الإرشاد والإصلاح الأسري قبل الوصول إلى مرحلة الانفصال، عندما يكون الإصلاح ممكنًا ويرغب به الطرفان.
فالوقاية من الطلاق تبدأ من اختيار سليم، وزواج قائم على الرضا، وتفاهم بين الطرفين، ووعي بالمسؤوليات، ثم تستمر من خلال الحوار واحترام الحقوق والواجبات.
وفي النهاية، فإن ارتفاع حالات الطلاق ليس مسؤولية الزوج والزوجة وحدهما، بل هو قضية اجتماعية تتطلب تعاون الجميع: الأسرة، والدولة، والقضاء، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية والجهات المختصة.
إن بناء أسرة مستقرة يعني بناء مجتمع أكثر استقرارًا، ولذلك فإن التعامل مع أرقام الطلاق بجدية، ودراسة أسبابها، ومواجهة الزواج بالإكراه، ونشر ثقافة الزواج القائم على الرضا والتفاهم، يجب أن تكون من الأولويات التي تستحق الاهتمام والعمل الجاد.
فالزواج الناجح لا يقوم على الإكراه، ولا على الخوف من كلام الناس، وإنما يقوم على الرضا والاحترام والتفاهم والتوافق وتحمل المسؤولية، وهذه هي الأسس التي يمكن أن تسهم في بناء أسرة متماسكة ومجتمع أكثر استقرارًا
