Skip links

المشكلة الحقيقية ليست في “العراق أولاً”، بل في سؤال: من يعرّف مصلحة العراق؟

الأستاذ الدكتور نديم الجابري يرد على ماكتبه السيد نجاح محمد علي

كتب الأستاذ الدكتور نديم الجابري مقالا مطولا يرد فيه على ماكتبه السيد نجاح محمد علي كرد على مقال للجابري ، ولاهمية رد الدكتور الجابري لما تضمنه من سرد لجملة من الحقائق التأريخية والمفاهيم السياسية واولويات الانتماء  الوطني متعمقا في كشف الشواهد التأريخية والدينية وبلغة اتسمت بالواقعية المهذبة والأسلوب الرصين الذي حافظ على اخلاقيات الرأي والرأي الاخر ، ولاهمية وموضوعية ماورد في المقال نعيد نشره على صفحات موقعنا عملا بتعميم الفائدة وانطلاقا من روح المسؤولية المبدئية والخلقية ، وفيما يلي نص المقال:

الأخ العزيز نجاح محمد علي المحترم

تحية طيبةً ..

بقلم : الأستاذ الدكتور نديم الجابري

قرأتُ ردكم على منشورنا باهتمام، وأتفق معكم في أن الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى صنم، وأن العدالة والحق والقيم الإنسانية لا تُقاس بجغرافية الحدود. لكنني أرى أن المقال يضع “الوطنية”و”العصبية” في إطار واحد، مع أن بينهما فرقاً جوهرياً ينبغي عدم إغفاله.

أولاً: “العراق أولاً” لا تعني “العراق فوق الحق”.

حين يقول العراقي: “العراق أولاً”، فالمقصود في مفهوم الوطنية السياسية الحديثة ليس أن العراق معيار الحق والباطل، ولا أن العراقي أفضل من غيره، ولا أن مصلحة العراق تبرر الظلم. إنماالمقصود ببساطة أن المصلحة الوطنية العراقية يجب أن تكون نقطة الانطلاق في القرار السياسي العراقي، وأن يكون ولاء الدولة الأول لشعبها وأمنها وسيادتها ومصالحها، لا لدولة أخرى ولا لمشروع خارجي. فالقول “العراق أولاً” لا يعني:

العراق فوق الدين،ولا العراق فوق العدالة،ولا العراقي فوق غير العراقي. إنما يعني : العراق فوق التبعية.وهذا فرق جوهري.

ثانياً: الآيات التي استندتم إليها لا تتعارض مع الوطنية، بل تحدد حدودها الأخلاقية. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ يتعلق بالتفاضل الإنساني أمام الله، وليس بتحديد واجبات الدولة تجاه مواطنيها. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ لا يلغي الانتماء إلى الشعب والوطن، وإنما يمنع تحويل هذا الانتماء إلى وسيلة للتكبر والتمييز. والفرق واضح بين سؤالين: من هو أكرم عند الله؟ وما يقع على الدولة مسؤولية حمايته وخدمته أولاً؟ الأول سؤال ديني وأخلاقي، والثاني سؤال سياسي وقانوني. ولا يوجد تناقض بين أن أؤمن بأن البشر متساوون في الكرامة الإنسانية، وأن أقول في الوقت نفسه إن الحكومة العراقية مسؤولة أولاً عن المواطن العراقي.

ثالثاً: حب الوطن ليس عصبية بالضرورة. فالعصبية هي أن أنصر قومي أو جماعتي أو وطني ظالماً أو مظلوماً لمجرد أنه “مني”. أما الوطنية فهي أن أرتبط بوطن معين، وأتحمل مسؤولية الدفاع عن مصالحه وسيادته ومستقبله، مع التزامي بالعدل.

وهذه ليست عصبية؛ بل هي وطنية أخلاقية. فالخلل ليس في عبارة “العراق أولاً”، وإنما في تفسيرها.

رابعاً: الاستشهاد بهجرة النبي ﷺ من مكة لا ينقض قيمة الوطن. فالنبي ص غادر مكة لأن استمرار الرسالة فيها أصبح متعذراً، ولكنه لم يحوّل ترك مكة إلى موقف ضدها. إذ أن مكة بقيت ذات مكانة استثنائية في الوعي الإسلامي، حتى قال عند فتحها ما يدل على عظيم مكانتها.

عليه فإن ، مغادرة الوطن عندما يفرض الظرف ذلك لا تعني سقوط قيمة الوطن، كما أن التضحية من أجل الوطن لا تعني تقديسه. وهنا تحديداً تكمن الفكرة التي أرى أنها غابت عن المقال:(الوطن ليس إلهاً يُعبد، لكنه أيضاً ليس حجراً لا قيمة له) . إنه الإطار السياسي والاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان، ويدفع عنه الضرر، ويبني فيه مستقبله، ويحمل تجاهه مسؤولية.

خامساً: الإمام علي عليه السلام لا يلغي الانتماء الوطني، بل يضع له إطاراً أخلاقياً. فقول الإمام علي عليه السلام: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” يعد من أعمق النصوص في تأسيس كرامة الإنسان وعدم التمييز في الحقوق الإنسانية. إلا أن هذا لا يعني أن الإنسان لا ينتمي إلى وطن أو مجتمع سياسي. والدليل أن الإمام علي عليه السلام كان يمارس السياسة بوصفها إدارة لمجتمع ودولة ومصالح عامة، ويطالب ولاته بحماية الناس وأموالهم وحقوقهم، وينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. عليه فإن العالمية الأخلاقية لا تلغي الدولة، كما أن الدولة لا ينبغي أن تلغي الأخلاق.

سادساً: الإمام الحسين عليه السلام لا يمثل رفض الوطن، وإنما رفض الاستبداد. وهنا ينبغي أن نكون دقيقين جداً. فالحسين عليه السلام لم يخرج لأنه كان ضد الانتماء إلى المجتمع أو الأرض، وإنما لأن السلطة السياسية في عصره ــ وفق الرؤية الحسينية ــ أصبحت متعارضة مع مبادئ الحق والعدل. وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة مفادها :

( الوطن شيء، والحكومة شيء آخر، والسلطة شيء ثالث ) . إذ قد تختلف مع حكومة بلدك، من دون أن تكره وطنك. وقد ترفض سلطة حاكمة، من دون أن ترفض شعبك. وقد تنتقد نظاماً سياسياً، من دون أن تتخلى عن هويتك الوطنية. ولهذا فإن استخدام كربلاء لنفي الوطنية يحتاج إلى مراجعة ، لأن عاشوراء يمكن أن تكون، في الوقت نفسه، درساً في مقاومة الظلم ودرساً في المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.

سابعاً: المشكلة الحقيقية ليست في “العراق اولاً، بل في سؤال: من يعرف مصلحة العراق؟

وهنا أتفق معكم في نقطة مهمة مفادها لا يجوز أن تصبح “الوطنية” غطاءً للتبعية لأي دولة أجنبية، ولا أن تكون الوطنية موجهة ضد دولة ومغمضة العين عن دولة أخرى. فإذا كان المعيار هو السيادة، فيجب أن يكون المعيار واحداً. لا تبعية لإيران، ولا تبعية لأميركا، ولا تبعية لتركيا، ولا تبعية لأي قوة إقليمية أو دولية. وهذا هو الاختبار الحقيقي لشعار “العراق أولاً”. فالسيادة ليست موقفاً ضد دولة بعينها ، إنما السيادة تمثل مبدأ عاما . ومن هنا فإن الوطنية العراقية الناضجة لا تقول: “أنا ضد إيران لأنني عراقي”، ولا تقول:

“أنا ضد أميركا لأنني عراقي”. إنما تقول: “أنا مع العراق عندما تتوافق المواقف مع مصلحته، وضد أي تدخل خارجي عندما ينتقص من قراره وسيادته، أياً كان مصدره”.

ثامناً: لا ينبغي تحويل الوطنية إلى مقابل للإسلام أو التشيع. حيث يمكن للإنسان أن يكون: مسلماً، شيعياً، وعربياً، عراقياً، في الوقت نفسه. فهذه دوائر انتماء مختلفة وليست بالضرورة متصارعة. بيد أن المشكلة تبدأ عندما تتحول إحدى هذه الدوائر إلى أداة لإلغاء الدوائر الأخرى. فكما لا يصح أن أقول إن الإسلام يلغي وطنيتي، لا يصح أيضاً أن أقول إن وطنيتي تلغي ديني. والدولة الحديثة لا تطلب من مواطنيها أن يتخلوا عن أديانهم ومذاهبهم وهوياتهم، وإنما تطلب منهم أن يجعلوا الدستور والقانون والمواطنة أساساً للعلاقة السياسية.

تاسعاً: الوطنية ليست تقديساً للحدود، وإنما مسؤولية تجاه المجال الذي نعيش فيه. فعندما أقول “العراق أولاً”، فأنا لا أقول إن العراقي أفضل من الإيراني أو السوري أو السعودي أو الأميركي.

إنما أقول إنني مسؤول أولاً عن وطن أعيش فيه، وأدفع الضرائب من أجله، وأحمل جنسيته، وأشارك في انتخاب سلطته، وأتحمل نتائج قرارات حكومته.

وهذا مبدأ موجود في جميع الدول الحديثة. فهل عندما تقول فرنسا “المصلحة الفرنسية أولاً”، أو الهند “المصلحة الهندية أولاً”، أو اليابان “المصلحة اليابانية أولاً”، يعني ذلك أنهم يعتقدون أن شعوبهم أفضل أخلاقياً من بقية الشعوب؟ بالطبع لا. إنها لغة المصلحة الوطنية، لا لغة التفوق الإنساني.

وأخيراً، أنا لا أدعو إلى “عراق فوق الحق”. وأعتقد أن العبارة الأدق هي: ( العراق أولاً في القرار السياسي، والعدل أولاً في القيمة الأخلاقية، والإنسان أولاً في الكرامة، والسيادة أولاً في علاقة الدولة بالخارج ) . وبهذه المعادلة نستطيع أن نكون وطنيين من دون تعصب ، ومسلمين من دون أن نكون طائفيين، وعراقيين من دون أن نكون تابعين، ومنفتحين على العالم من دون أن نكون تابعين له. فالوطنية الحقيقية ليست أن نقول إن وطننا أفضل من أوطان الآخرين؛ وإنما أن نرفض أن يكون وطننا أدنى من إرادة الآخرين.

ولذلك، فإن عبارة “العراق أولاً” لا ينبغي أن تُفهم بوصفها عقيدة دينية أو معياراً للتفاضل بين البشر، وإنما بوصفها مبدأً سياسياً مفاده: ( أن يكون القرار العراقي عراقياً، والمصلحة العراقية عراقية، والسيادة العراقية غير قابلة للبيع أو الرهن أو الوصاية ) .  وهنا لا تكون الوطنية عصبية، ولا يكون حب الوطن عبادة، وإنما يصبح مسؤولية سياسية وأخلاقية .

اترك تعليقًا

عرض
Drag