قبل أن نخاف من إيران النووية… فلنسأل: مَن الذي باع العرب؟
يونس عبد الحفيظ
أستاذنا المحترم، أختلف معك جذريًا في قراءتك للمشهد الإيراني ـ الأمريكي، لا لأنني أملك الحقيقة المطلقة، ولا لأنني أستبعد وجود غرف سوداء وصفقات سرية في السياسة الدولية، بل لأنني أرى أن اختزال القضية في أن واشنطن تدفع إيران عمدًا إلى أن تصبح «شرطي الخليج» يترك السؤال الأخطر خارج الصورة:
ماذا فعل العرب حتى أصبح الآخرون يتنافسون على إدارة منطقتنا، بينما نحن نتنافس على مَن يرفع راية الطائفة أعلى؟
فلنفترض، جدلًا، أن تحليلك صحيح، وأن واشنطن تريد لإيران أن تصبح القوة الإقليمية الأكبر، أو أنها تمنحها الوقت والمساحة لكي تصل إلى مرحلة معينة في برنامجها النووي.
حسنًا… وماذا بعد؟
هل المشكلة في أن إيران تتقدم؟
أم أن الكارثة الحقيقية هي أننا تراجعنا حتى أصبح تقدم الآخرين يُرعبنا؟
أنا، كعربي وجزائري، لا أريد لإيران أن تكون شرطيًا على العرب، كما لا أريد أمريكا أن تكون شرطيًا عليهم، ولا إسرائيل، ولا تركيا، ولا أي قوة أجنبية. لكنني أقولها بوضوح: إذا كان لا بد أن تكون في المنطقة قوة تفرض وزنها، فأفضل أن تكون قوة إقليمية نابعة من المنطقة، لا قوة عابرة للقارات تأتي من وراء البحار لتقرر لنا من نحارب، ومن نصادق، ومتى نفاوض، ومتى نصمت.
لكن الحقيقة الأكثر مرارة أن إيران لم تصبح لاعبًا إقليميًا مؤثرًا لأنها تملك عصًا سحرية، وإنما لأنها قرأت المنطقة جيدًا، وبنت لنفسها أوراق قوة، بينما انشغل العرب بتكسير بعضهم بعضًا.
وهنا يجب أن نتوقف عن لعب دور الضحية.
لقد ساهمنا نحن في صناعة ضعفنا.
نملك النفط والغاز والممرات البحرية والموقع الجغرافي والثروة البشرية والأسواق الواسعة، ومع ذلك سمحنا للقوى الكبرى بأن تجعل من المنطقة سوقًا للسلاح، ومسرحًا للحروب، وميدانًا لتصفية الحسابات.
ندفع المليارات في صفقات السلاح، ثم نسأل لماذا لا نملك صناعة عسكرية مستقلة.
نملك الأموال، ثم نستورد التكنولوجيا.
نملك الجامعات، ثم نستورد المعرفة.
نملك العقول، ثم نصدرها.
نملك التاريخ، ثم نعيش أسرى له.
والأكثر إثارة للسخرية أننا نملك من الثروات ما يكفي لبناء نهضة تاريخية، ثم نتعامل مع استقلال القرار السياسي وكأنه منحة يمكن أن يمنحها لنا البيت الأبيض أو الكرملين أو أي عاصمة أخرى.
فلنكن أكثر صراحة.
من يملك قواعد عسكرية أجنبية فوق أرضه لا يستطيع أن يتحدث طويلًا عن السيادة.
ومن يجعل أمنه مرهونًا بحماية الآخرين، لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يكتشف أن الآخرين يحمونه وفق مصالحهم، لا وفق مصالحه.
ومن يضع ثروته في يد القوى الكبرى، ثم ينتظر منها أن تحترم استقلاله، يشبه من يسلم مفتاح بيته للغريب ثم يطالبه بألا يدخل غرفه.
لقد رأينا خلال السنوات الماضية كيف تتحول الأموال الخليجية إلى صفقات واستثمارات وتحالفات، وكيف تُفتح الأبواب أمام القوى الكبرى، وكيف تُستقبل بعض القيادات العربية بالمديح حينًا وبالابتزاز حينًا آخر.
فهل المشكلة أن الغرب لا يحترمنا؟ أم أننا لم نُجبره يومًا على احترامنا؟
هذه هي الحقيقة التي تؤلم.
القوة لا تُطلب بالتوسل.
والسيادة لا تُشترى بالمال.
والاحترام الدولي لا تمنحه الخطب ولا البيانات، وإنما تصنعه دولة قوية، واقتصاد قوي، وجيش قوي، وعلم قوي، ومجتمع يعرف ماذا يريد.
أما نحن، فما زلنا نُستهلك في معركة عمرها قرون: سني ضد شيعي، عربي ضد فارسي، مذهبي ضد مذهبي، بينما العالم يتقدم علينا بعقود في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد.
نحن نختلف على تفسير الماضي، وهم يتنافسون على امتلاك المستقبل.
نحن نبحث عن فتاوى الخلاف، وهم يبحثون عن خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
نحن نفتش في كتب الصراعات القديمة عن عدو جديد، وهم يصنعون أسلحة المستقبل.
نحن نتجادل حول الهوية، وهم يصنعون الاقتصاد الذي سيحدد شكل العالم.
ثم نغضب عندما نكتشف أننا أصبحنا تابعين!
يا أمةً ما زالت تستهلك حاضرها في معارك الماضي، ثم تتساءل لماذا سبقها الآخرون!
لقد قال المتنبي:
أغايةُ الدينِ أن تحفوا شواربَكمُيا أُمّةً ضحكتْ من جهلِها الأُممُ
ولعل بيت المتنبي لم يكن يومًا أكثر قسوة على واقعنا مما هو عليه اليوم.
فلا تجعلوا إيران شماعةً جديدة لتعليق عجزنا عليها.
إيران ليست المشكلة الوحيدة. أمريكا ليست المشكلة الوحيدة. إسرائيل ليست المشكلة الوحيدة.
المشكلة الكبرى هي أن المنطقة أصبحت حلبة مفتوحة لأن أصحابها فقدوا القدرة على إدارة الحلبة.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستفعل أمريكا إذا أعلنت إيران نفسها دولة نووية؟
بل:
ماذا سيفعل العرب إذا أصبحت إيران نووية؟
هل سيصدرون بيانًا جديدًا؟
هل سيعقدون قمة طارئة؟
هل سيتبادلون الاتهامات؟
هل سيعودون إلى أسطوانة «المؤامرة»؟
أم سيجلسون للمرة الأولى أمام المرآة ويسألون:
لماذا امتلك الآخرون القوة بينما بقينا نحن نمتلك الخطب؟
وهنا أصل إلى الخلاصة التي قد لا تعجب كثيرين:
أنا لا أخشى إيران القوية بقدر ما أخشى عربًا ضعفاء.
ولا أخشى أن تمتلك إيران التكنولوجيا بقدر ما أخشى أن نبقى نحن أسرى التخلف والتعصب والانقسام.
ولا أخشى أن يكون في المنطقة لاعب إقليمي قوي، بقدر ما أخشى أن تصبح الأمة العربية مجرد جمهور يتفرج على اللاعبين.
لقد حان الوقت لكي نتوقف عن سؤال الآخرين: من سيحكم المنطقة؟
ولنسأل أنفسنا:
متى سنصبح نحن أصحاب القرار فيها؟
فلا نريد شرطيًا إيرانيًا، ولا شرطيًا أمريكيًا، ولا وصيًا إسرائيليًا، ولا مظلة تركية.
نريد دولة عربية قوية، وعقلًا عربيًا حرًا، واقتصادًا عربيًا منتجًا، وجامعة عربية تصنع المعرفة لا البيانات، وجيوشًا تحمي الحدود لا الأنظمة، ومواطنًا لا يُستعبد بالطائفة ولا يُخدع بالشعارات.
وإذا كان العالم قد نجح في تجاوز كثير من حروب المذاهب والطوائف، وبنى دولًا مدنية حديثة جعلت العلم والعقل والإنتاج معيارًا للقوة، فما زلنا نحن نجرّ الماضي من عنقه إلى الحاضر، ثم نشتكي من المستقبل.
المشكلة ليست أن إيران تريد أن تصبح قوة عظمى.
المشكلة أننا لم نقرر بعد أن نكون قوة.
ولهذا، قبل أن نخاف من «الهراوة» الإيرانية، علينا أن نسأل عن الهراوة العربية التي سقطت من أيدينا منذ زمن.
وقبل أن نبحث عن شرطي جديد للخليج، علينا أن نسأل:
أين ذهب أصحاب الخليج؟
وقبل أن نلعن العالم لأنه يتدخل في شؤوننا، فلنسأل السؤال الأكثر وجعًا:
وهل
من الذي فتح له الباب؟
ثم أغلق الباب… وراح يتهم الريح بأنها دخلت.
