كيف أدارت طهران معركة التفاوض وفرضت شروطها من وسط الدمار؟
الدكتور رافع سحاب الكبيسي
تُعلمنا دروس التاريخ السياسي أن الحروب لا تُحسم نتائجها النهائية في ميادين القتال والمواجهات العسكرية الفورية فحسب، بل تُصاغ معادلتها الحقيقية على طاولات المفاوضات المغلقة. وفي الصراع الأخير، وبينما كانت الآلة العسكرية وحملات القصف تسعى لفرض واقع جديد، أثبتت الدبلوماسية الإيرانية براعة استراتيجية لافتة؛ إذ نجحت طهران، بحنكة سياسية وقدرة عالية على إدارة الأزمات، في تحويل الصمود الميداني إلى أوراق ضغط خانقة على الولايات المتحدة وإسرائيل، لتخرج من أتون هذه المواجهة بمكاسب استراتيجية رسخت مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
لم تكن المفاوضات الجارية مجرد جولة تفاوضية تقليدية، بل كانت معركة “عض أصابع” أدارتها طهران ببراغماتية عالية. فقد استطاع المفاوض الإيراني الضغط على واشنطن وتل أبيب عبر حزمة من الأوراق الحيوية:
- ورقة الملاحة وأمن الطاقة العالمي ومضيق هرمز: نجحت طهران في توظيف موقعها الجيوسياسي وإشرافها على الممرات المائية الحيوية كأداة ضغط اقتصادية بالغة الأثر. وفي هذا السياق، برز استخدام ورقة مضيق هرمز كأحد المحاور الحاسمة؛ إذ إن آثارها المحتملة والكارثية على اقتصاد العالم أربكت الإدارة الأمريكية بشكل واضح، وحدّت من سقوف أهدافها في الحرب ضد إيران. هذا التهديد الضمني لأمن الطاقة ورفع أسعار النفط والتضخم العالمي، شكّل عامل ضغط حاسم دفع واشنطن للجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية لضمان استقرار الأسواق الدولية.
- المأزق العسكري الأمريكي والقيود الميدانية: واجهت الإدارة الأمريكية محددات استراتيجية كبرى أضعفت موقفها التهديدي؛ إذ إن مأزق أمريكا السابق في العراق وأفغانستان وإفرازاته الطويلة، قيد يدها بشكل كبير في استخدام القوات البرية، وهي القوات التي تظل دائماً العنصر الحاسم في حسم الحروب على الأرض. هذا التخوف من التورط في مستنقع بري جديد جعل الخيارات الأمريكية محكومة بسقوف منخفضة، مما منح طهران هامش مناورة أوسع وموقفاً تفاوضياً أكثر صلابة.
- ترابط الجبهات والإقليم المتشابك: أدارت إيران الأزمة برؤية شاملة؛ حيث ربطت مسار التهدئة والتفاوض بملفات الإقليم الساخنة وجبهات حلفائها (مثل الجبهة اللبنانية). هذا الترابط جعل من المستحيل على إسرائيل تحقيق استقرار داخلي أو إقليمي، مما فرض ضغوطاً سياسية وأمنية هائلة على الداخل الإسرائيلي.
- المرونة والمناورة بالملف النووي: تم استخدام القدرات التقنية والنووية كدرع سياسي متين؛ حيث جرى التلويح برفع نسب التخصيب وتوسيع القدرات كأوراق مساومة ذكية، تُعرض التنازلات الفنية فيها فقط مقابل مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة وفورية.
إن المقياس الحقيقي للنصر في الحروب الحديثة ليس غياب الخسائر المادية، بل هو مدى قدرة الدولة على منع الخصم من تحقيق أهدافه السياسية، وفرض شروطها في سلام ما بعد الحرب. ورغم ما خلفته المواجهات الأخيرة من دمار واسع في البنية التحتية وعلى الأرض الإيرانية نتيجة الضربات الجوية، إلا أن طهران وظفت أوراقها بحنكة.
لقد تكسرت أوهام “الاستسلام غير المشروط” أو “تغيير النظام” التي سعت إليها إسرائيل في بداية الصراع، أمام صمود الدولة الإيرانية وقدرتها على امتصاص الصدمات العسكرية. وبدلاً من تراجع نفوذها، أثمرت المفاوضات الحالية عن صياغة تفاهمات واتفاقيات تميل بشكل واضح لصالح طهران، وتتضمن:
- مكاسب اقتصادية فورية: الحصول على إعفاءات واسعة لتصدير النفط والغاز، والبدء الفعلي في الإفراج عن الأصول المالية المجمدة في الخارج لدعم الاقتصاد الداخلي وإعادة الإعمار.
- الحفاظ على السيادة والقدرات الحيوية: التمسك بالحقوق السيادية داخل أراضيها، والاحتفاظ بالقدرات الإشرافية والتقنية (مثل إبقاء مخزون اليورانيوم المخفف محلياً بدلاً من ترحيله)، وهو ما يُعد اعترافاً دولياً ضمنياً بمكانتها النووية.
“إن الحروب تُخاض بالصواريخ، لكن السلام يُصنع بالصبر والحنكة. وقد أثبتت طهران أن دمار الحجر يمكن تعويضه، أما خسارة السيادة فلا تُعوض”، مع مكسب إدارة ترامب بعودة المفتشين الدوليين على الأسلحة والمنشآت النووية.
وتؤكد مجريات الأحداث ومخرجات جولات التفاوض الحالية أن الحرب الأخيرة، برغم كلفتها الباهظة على الأرض الإيرانية، قد انتهت بنصر سياسي ودبلوماسي لافت لصالح طهران ببقاء النظام وهو هدف مهم بالنسبة للمنظومة الحاكمة في إيران رغم ضعف مرتكزاتها. لقد أجبرت القوى العظمى وحلفاءها على الاعتراف بمصالحها كمعادلة أساسية لأي استقرار في الشرق الأوسط. إنها حكاية دولة استطاعت تحويل ركام الحرب إلى منصة لفرض الشروط، لتثبت أن حنكة الدبلوماسية لا تقل قوة عن أزيز الرصاص.
كذلك لا يمكن استبعاد تعرض إيران إلى ضربات أمريكية وإسرائيلية في حالة عدم التزام إيران ببنود الاتفاق وما ينضح من معطيات بالنسبة للهدف الأمريكي بتحجيم أذرع إيران في المنطقة.
