Skip links

حينما يغتال “الكم” روح العلم في جامعاتنا

محمد الربيعي

في ذاكرتي المهنية، ثمة محطات لم تكن مجرد مراسلات إدارية عابرة، بل كانت صرخات تحذير من انزلاق مرعب يهدد بنية التعليم العالي في العراق. أتذكر جيداً عام 2014، حين خاطبت الوزير آنذاك، الدكتور حسين الشهرستاني، برسالة موسعة تحت عنوان “الكم مقابل النوع في التعليم العالي”. كنت حينها أقرأ في طيات السياسات الإدارية بوادر أزمة منهجية خطيرة فالعراق الذي كان يمتلك منارات للعلم ومؤسسات تعليمية رصينة، بدأ ينزلق نحو مسار يغوي فيه “الرقم” صانع القرار على حساب جوهر المعرفة. واليوم، بعد مرور عقد كامل من الزمان، أجد نفسي مضطراً لإعادة فتح ذلك الملف وتفكيك خيوطه، لا لأسجل موقفاً في التاريخ، بل لأن “المرض” الذي حذرت منه قد تفشى ليصيب جسد التعليم العالي في مقتل، محولاً الجامعات من معاقل للفكر إلى واجهات رقمية فارغة.


لقد تحول المشهد الأكاديمي في بلادنا إلى ما يشبه “السوق” المفتوحة للمقايضة، حيث اختزلت قيمة العمل الأكاديمي، بكل أبعاده الإنسانية والعلمية، في أرقام مجردة وجداول إحصائية صماء. لم يعد السؤال الجوهري في أروقة الجامعات: “ماذا أضفت للمعرفة الإنسانية؟” أو “كيف خدمتَ مجتمعك؟”، بل أصبح السؤال السائد: “كم نقطة جمعت هذا العام؟”. إن هذه “ثقافة الكم” قد جردت الأستاذ والباحث من قدسية البحث، وحولت الجامعات إلى ساحات لجمع “نقاط” لا تسمن ولا تغني من جوع، سعياً وراء مكاسب آنية كالترقية العلمية أو الحصول على مرتبة متقدمة في “يوم العلم”. هذا السباق المحموم دفع الكثيرين لغض الطرف عن ممارسات شائنة، كالنشر في مجلات وهمية أو مفترسة، وتقديم بحوث مكررة أو منسوخة، في ضرب صارخ لأخلاقيات البحث العلمي.


وإذا أردنا أن نضع الإصبع على الجرح الأكثر إيلاماً في هذا التدهور، فعلينا أن ننظر إلى حال “المؤتمرات العلمية”. كانت تلك المؤتمرات يوماً ما منتديات حقيقية للجدل الفكري، وتبادل الخبرات، وبناء الجسور المهنية بين الباحثين. أما اليوم، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى مناسبات “استعراضية” لا هدف لها سوى إثبات الوجود الورقي. لقد تناولت هذا التسطيح في مقالة لي عام 2020، موضحاً أن الكثير من هذه المؤتمرات باتت طقوساً شكلية تكرس التخلف العلمي بدلاً من معالجته. إن ظاهرة “المؤتمرات الشاملة” التي تحشر الطب والهندسة والعلوم والآداب في قاعة واحدة – ما يصفه أشقاؤنا المصريون بـ “بتاع كله” – هي اعتراف صريح بغياب المعايير الرصينة. لقد تحولت هذه المحافل إلى قنوات لنشر الأوراق العلمية قبل انعقادها حتى، سعياً وراء زيادة كمية النشر المطلوبة من الوزارة، مستغلةً غياب التحكيم العلمي الحقيقي لضمان نشر مئات الأوراق في مجلد واحد، فقط لتعظيم أرقام التقييم.


إن أخطر ما يواجهنا اليوم هو تآكل المصداقية. حين نرى هذا النظام “المعوج” يكرّم الفاسدين والمتلاعبين فإننا نرتكب جريمة بحق التعليم. إن تكريم باحثين بناءً على كم هائل من البحوث المشبوهة ليس مجرد إهانة للباحثين الجادين الذين أفنوا أعمارهم في المختبرات والمكتبات، بل هو رسالة تدميرية نوجهها للأجيال القادمة، مفادها أن طريق النجاح لا يمر عبر الجودة والإتقان، بل عبر التلاعب بالأرقام وتزييف النتائج.


لذلك، ومن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أضع بين أيديكم رؤية جادة للإصلاح، تبدأ بقرارات شجاعة لا تقبل التأجيل:
أولاً، أدعو إلى “تجميد وقائي وشامل” للمؤتمرات العلمية المحلية التي تقيمها الجامعات لفترة زمنية محددة، نراجع خلالها آليات عملها، ونعيد لها اعتبارها كمنصات للبحث العلمي الجاد، لا لجمع المشاركات. كما يجب أن نفصل بين الأقسام والتخصصات منعاً للعشوائية العلمية.


ثانياً، لا بد من قلب معايير الترقية والتكريم رأساً على عقب فليكن “الأثر العلمي” وجودة البحث ومدى الاستشهاد به من قبل المجتمع العلمي العالمي هو الميزان الحقيقي، وليس عداد النقاط الآلي. يجب إسناد تقييم سيرة الباحث إلى لجان اختصاص نزيهة، بدلاً من ترك الأمر لبرامج حاسوبية جامدة.


ثالثاً، يجب تبني سياسة “المقاطعة والمحاسبة” ضد المجلات والمؤتمرات الوهمية، ووضع القوائم السوداء لها موضع التنفيذ الصارم، بحيث لا يُعتد بأي بحث يُنشر فيها.


رابعاً، يجب أن نستعيد هيبة “يوم العلم” ليصبح احتفاءً بالنماذج المضيئة التي أضافت للمكتبة العلمية شيئاً ملموساً، ولو بعدد قليل من البحوث، وتجريم أي محاولة لتكريم المشبوهين في ممارساتهم الأكاديمية.


إن الفضائح الأكاديمية المتكررة ليست إلا جرس إنذار أخير. إن استمرار سياسة “الكم” على حساب “الكيف” لا يهدر الموارد المالية والمادية فحسب، بل يهدر أثمن ما نملك: سمعة العلم في العراق. حان الوقت لكي نوقف هذا الانحدار، ونبدأ مراجعة جريئة وصادقة، لأن مستقبلنا كبلد يعتمد بشكل أساسي على علم حقيقي يخدم المجتمع، لا على أرقام وهمية تزين الإحصائيات بينما تدفن الضمير العلمي تحت ركام من التزييف.

اترك تعليقًا

عرض
Drag