Skip links

إياد علاوي… سيرةُ رجلٍ عبرَ المرايا العراقية

مكاشفة

هاتف الثلج

في العراق لا تُقاس الشخصيات السياسية بأعمارها، بل بعدد العواصف التي مرت فوق رؤوسها، ولا تُقرأ سيرتها من تواريخ الميلاد والوفاة، بل من عدد المرات التي وقفت فيها عند مفترقات الطرق بين السلطة والمنفى، وبين الحلم والخيبة، وبين الوطن كما ينبغي أن يكون والوطن كما صار. ومن بين تلك الشخصيات التي بقيت تثير الجدل وتستفز الذاكرة العراقية، يبرز اسم إياد علاوي بوصفه واحداً من أكثر رجال العراق الحديث إثارة للأسئلة، حتى بدا وكأنه فصل كامل من كتاب العراق المضطرب، لا مجرد اسم في قائمة رؤساء الحكومات أو قادة الأحزاب.ولد علاوي في بغداد التي كانت آنذاك مدينةً تتقاطع فوق أرصفتها الأحلام الملكية والانقلابات القادمة من الظل، فنشأ في زمن كانت السياسة فيه أقرب إلى قدرٍ محتوم منها إلى خيارٍ شخصي. درس الطب ليصبح طبيباً، لكن العراق كثيراً ما يحوّل الأطباء إلى سياسيين، ويحيل السياسيين إلى مرضى مزمنين في عيادة السلطة. وحين انخرط شاباً في حزب البعث لم يكن يدرك أن الطريق الذي بدأ بخطوة حزبية سينتهي إلى رحلة طويلة بين العواصم والمخابرات والمنفى والمؤتمرات والاغتيالات والانتخابات.لقد كان العراق في ستينيات القرن الماضي بلداً لا يترك لأبنائه رفاهية الحياد؛ فإما أن تكون داخل العاصفة أو تحت أنقاضها. ومن هنا جاءت تجربة علاوي المبكرة داخل البعث، قبل أن يتحول الخلاف مع السلطة إلى نقطة انعطاف كبرى في حياته. فالرجل الذي اقترب من مركز القوة غادره لاحقاً ليصبح أحد خصومه، وكأن التاريخ العراقي يعيد إنتاج حكايته الأثيرة: رفاق الأمس يتحولون إلى أعداء اليوم، وأعداء اليوم قد يصبحون حلفاء الغد.في لندن، حيث أكمل دراسته العليا، لم يكن يعيش حياة طالب يبحث عن شهادة أكاديمية فحسب، بل كان يراقب من بعيد بلداً يزداد انغلاقاً تحت سلطة صدام حسين. وهناك، بين أروقة الجامعات وضباب المدن البريطانية، بدأت تتشكل شخصية سياسية جديدة تختلف عن صورة البعثي القديم. تعرض لمحاولة اغتيال كادت تنهي حياته، لكنها صنعت منه في الوقت نفسه رمزاً لمعارضة أخذت تتشكل في الخارج ضد النظام العراقي. وكأن الرصاصة التي أرادت إسكاته دفعت اسمه إلى الواجهة أكثر مما لو عاش حياة هادئة بين الكتب والمستشفيات.أسس حركة الوفاق الوطني العراقي في مرحلة كانت المعارضة العراقية فيها أشبه بأرخبيل متنافر من القوى والشخصيات والتيارات. وكان يدرك أن إسقاط الأنظمة أسهل من بناء الدول، وأن المعارضين الذين يجتمعون حول هدف واحد سرعان ما يكتشفون اختلافاتهم حين يقترب الهدف من التحقق. لذلك ظل يتحرك بين العواصم العربية والغربية، حاملاً مشروعه السياسي وسط شبكة معقدة من التحالفات والخصومات والرهانات الدولية.ثم جاء عام 2003، ذلك العام الذي لم يسقط فيه نظام سياسي فقط، بل سقطت معه خرائط كاملة من اليقين العراقي. عاد علاوي إلى بغداد مع العائدين، لا بصفة المنفي الذي يبحث عن بيت قديم، بل بصفة السياسي الذي وجد نفسه فجأة داخل قلب المعادلة الجديدة. وفي زمن الفوضى والانفجارات والانهيارات، تسلم رئاسة الحكومة المؤقتة عام 2004، ليواجه عراقاً يكاد يشتعل من شماله إلى جنوبه.لم يكن الرجل يحكم دولة مستقرة، بل كان يقف وسط حقل ألغام سياسي وأمني واجتماعي. كانت المدن تغلي، والميليشيات تتمدد، والجماعات المسلحة تتكاثر، والقوات الأجنبية تملأ المشهد. وفي مثل تلك الظروف لا توجد قرارات مثالية، بل خيارات كلها مؤلمة. لذلك بقيت تجربته في رئاسة الوزراء محل جدل طويل بين من رأى فيه رجل دولة حاول فرض هيبة الدولة وسط الفوضى، وبين من رأى أن القوة وحدها لا تستطيع معالجة الجروح العميقة التي أصابت المجتمع العراقي.

لكن اللافت في سيرة علاوي أنه ظل يمثل ظاهرة سياسية أكثر من كونه مجرد مسؤول حكومي سابق. ففي انتخابات عام 2010 تمكن من تحقيق تقدم انتخابي لافت عبر القائمة العراقية، وكأن جزءاً من العراقيين كان يبحث عن خطاب يتجاوز الاصطفافات الطائفية التي بدأت تخنق الدولة والمجتمع. غير أن العراق، كما أثبتت تجاربه المتعاقبة، لا يكفي فيه الفوز الانتخابي وحده للوصول إلى السلطة؛ فهناك دائماً شبكة أعقد من الحسابات والتوازنات والتحالفات التي تكتب النتائج النهائية بطريقة مختلفة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في حياة إياد علاوي. فقد كان قريباً من السلطة وبعيداً عنها في الوقت نفسه. وصل إلى مواقع متقدمة في الدولة، لكنه لم يصبح الحاكم الذي يفرض مشروعه كاملاً. كسب معارك سياسية وخسر أخرى، وظل اسمه يتردد في المشهد العراقي حتى عندما تراجعت أدواره التنفيذية. وكأن الرجل تحول مع الزمن إلى شاهد على تحولات العراق أكثر من كونه لاعباً وحيداً فيها.إن سيرة علاوي ليست سيرة فرد فقط، بل هي مرآة لسيرة العراق نفسه؛ عراقٍ انتقل من الانقلابات إلى الحروب، ومن الحزب الواحد إلى التعددية المرتبكة، ومن الدولة المركزية الصلبة إلى دولة تتنازعها الهويات والمصالح. وحين نتأمل مسيرته نجد أنفسنا أمام سؤال فلسفي أعمق من أي موقف سياسي: هل يصنع الرجال التاريخ، أم أن التاريخ هو الذي يصنع الرجال ثم يستهلكهم؟.. ربما كان علاوي واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يمسكوا عجلة التاريخ العراقي وهي تدور بسرعة جنونية، لكنهم اكتشفوا أن العراق أكبر من الأشخاص جميعاً، وأن هذا البلد الذي أنجب الملوك والثوار والجنرالات والزعماء لا يمنح أحداً فرصة الاحتفاظ بالصورة كاملة. فكل شخصية عراقية تتحول في النهاية إلى رواية مفتوحة يختلف الناس حول فصولها، لكنها تبقى جزءاً من الحكاية الكبرى لوطنٍ لم يتوقف يوماً عن إنتاج الأسئلة.

اترك تعليقًا

عرض
Drag