عندما تفقد المنطقة بوصلتها: الشرق الأوسط في مهب الضبابية.. وبغداد تحت اختبار التوازن الصعب
الدكتور رافع الكبيسي
يعيش الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية تعقيداً وغموضاً، حيث غابت الخطوط الفاصلة بين الاستقرار والفوضى، وتلاشت الحسابات المنطقية لصالح مشهد معلق. لم يعد الأمر مقتصراً على صراع تقليدي واضح المعالم، بل تحول إلى حالة مستدامة من الترقب المستنزف؛ معادلة صفرية تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليبقى الجميع في فضاء من الانتظار الثقيل، بينما تدفع شعوب المنطقة كلفة هذا الجمود المرير.
في هذا الفضاء المشحون الفاقد للبوصلة والواقع تحت برزخ المواجهة المؤجلة، تترنح المقترحات والردود الدبلوماسية المتبادلة بين واشنطن وطهران بين الرفض والقبول، بينما تتصاعد التهديدات العسكرية في الممرات المائية الحيوية ثم تخبو دون حسم. إنه برزخ سياسي بامتياز: لا الأطراف قادرة على الذهاب إلى مواجهة شاملة ومباشرة تحرق الأخضر واليابس، ولا هي تمتلك الإرادة أو الشجاعة لصياغة سلام حقيقي ومستدام يؤمن مستقبل المنطقة.
هذا التوازن الحرج والمخيف جعل المنطقة تعيش في حالة من التيه الشامل؛ فقد غاب التخطيط للمستقبل، وحلت مكانه إدارة الأزمات اليومية، وتحول الأمل بالاستقرار إلى مجرد أمنية بالبقاء في مأمن من الانفجار القادم، حيث ينام المواطن العربي ويستيقظ على تساؤل واحد مرير: ماذا سيحدث غداً؟
ولأن العراق في عين العاصفة ويمثل دائماً مرآة تعكس ارتدادات هذا الصراع الإقليمي، فقد انعكست هذه الحالة الرمادية على مشهده الداخلي الذي عاش مخاضاً معقداً طوال الأشهر الماضية، قبل أن يفضي هذا الانسداد أخيراً إلى ولادة الحكومة الجديدة وإعلان تشكيلها رسمياً بعد نيلها ثقة البرلمان.
إن علي الزيدي، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة بوصفه وجهاً تكنوقراطياً قادماً من عالم المال والأعمال، بدا في جلسة التصويت وكأنه يواجه اختباراً أكبر من خبرته السياسية المباشرة، وسط ضغوط داخلية وخارجية تحاصر حكومته منذ لحظة ولادتها. فالرجل الذي لم يعرفه العراقيون في منابر الخطابة الجماهيرية ولا معارك الأحزاب التقليدية، وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ النظام السياسي العراقي. واللافت أن الوزارات التي نالت ثقة البرلمان خلت من أي تمثيل مباشر للجماعات المسلحة الموالية لإيران، رغم حضور زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي الجلسة، وهو ما منح المشهد دلالة سياسية واضحة، خصوصاً أن الخزعلي وفصيله مصنفان على قوائم الإرهاب الأميركية.
هذه الولادة القيصرية للحكومة تضع رئيس الوزراء الجديد أمام حقل ألغام حقيقي، وتجدد التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة؛ فهل ستتمكن هذه التوليفة من الصمود كحكومة تكنوقراط قادرة على إحداث فارق، أم أن كواليس التشكيل ستجبرها على الانكفاء نحو المحاصصة التوافقية المستترة لإرضاء المكونات والأطراف السياسية لضمان استمراريتها، مما قد يعيد إنتاج صيغ الحكم السابقة التي كبلت الدولة لسنوات؟
وعلى مستوى معادلة التوازن الخارجي، يجد رئيس الوزراء نفسه من اليوم الأول مطالباً بالسير على حبل مشدود؛ فنيل الرضا الدولي والتعامل مع واشنطن (التي تراقب الشروط بصرامة لضمان عدم الهيمنة الإقليمية على القرار العراقي) يتطلب التزاماً دقيقاً، وفي الوقت نفسه يتوجب عليه الحفاظ على علاقات متزنة مع الجارة إيران لضمان التهدئة والاستقرار الداخلي.
ورغم عبور محطة تشكيل الحكومة، إلا أن الضبابية السياسية لا تزال تنعكس إحباطاً ملموساً في الشارع العراقي. فالأزمات الاقتصادية المعلقة، ومخاوف انهيار الأمن في أي لحظة إذا ما انفرط عقد هذا الهدوء الهش، تجعل التداعيات داخل العراق شديدة الخطورة؛ فشلل الرؤية الاقتصادية وغياب اليقين السياسي يمنعان أي استثمار حقيقي طويل الأمد، ويبقيان الاقتصاد العراقي رهيناً لتقلبات أسعار النفط والمضاربات المالية الناتجة عن التوترات الإقليمية.
يضاف إلى ذلك القلق النفسي والاجتماعي وشعور العراقيين بفقدان البوصلة وعدم القدرة على التنبؤ بالغد، مما يخلق حالة من انعدام الأمان المجتمعي، حيث يشعر المواطن بأنه يدفع ثمن صراعات ليس له يدٌ فيها.
إن الشرق الأوسط، والعراق في قلبه، يمر اليوم بمرحلة رمادية بامتياز. إن الحالة الراهنة -حتى مع وجود حكومة جديدة- ليست استقراراً ناجزاً بعد، بل قد تكون تأجيلاً مستمراً للانفجار. وفي ظل سعي رئيس الوزراء لإيجاد صيغة توازن إقليمية ومحلية شبه مستحيلة، يبقى الغد مجهولاً، وتبقى البوصلة مفقودة، بانتظار أن تثبت هذه الحكومة قدرتها على اجتراح معجزة سياسية تعيد للمنطقة وعيها، أو عاصفة تطيح بما تبقى من أوراق التين.
