Skip links

تقاعد بلا سيادة: كيف تحوّل النظام التقاعدي… إلى عبء يهدد الدولة العراقية !!؟

حسين الشلخ

لم تعد أزمة الدولة العراقية محصورة في الفساد الإداري أو سوء التخطيط المالي بل تجاوزت ذلك إلى خللٍ بنيوي يمس جوهر السيادة والعدالة معًا يتجلى بوضوح في ملف التقاعد الذي انقلب من منظومة حماية اجتماعية إلى أداة استنزاف سياسي واقتصادي لا نظير لها حتى في أكثر الدول ترهلًا.
لقد جرى تفريغ فكرة التقاعد من معناها الطبيعي القائم على الخدمة مقابل الاستحقاق واستبدالها بمنطق الولاء، والتعويض المفتوح، والمكافأة السياسية، لتتحول الخزينة العامة إلى ممول دائم لفئات لم تخدم الدولة، أو خدمتها مؤقتًا، أو استخدمتها كسلّم عبور لا أكثر.

تقاعد الايرانيين:المال العام خارج الحدود!!
يُعد تقاعد الإيرانيين أخطر مظاهر هذا الانحراف لأنه لا يمثل عبئًا ماليًا فحسب وانما خرقًا صريحًا لمفهوم الدولة ذاتها ،فحين تُدفع رواتب تقاعدية من الخزينة العراقية لأشخاص لم يحملوا جنسيتها ولم يعملوا ضمن مؤسساتها السيادية فإن الدولة لا تهدر مالها فقط، بل تعلن عجزها عن حماية تعريفها القانوني والسياسي ،
لعل هذا النوع من التقاعد يكرّس النفوذ الخارجي داخل بنية القرار الوطني ويحوّل الراتب التقاعدي إلى أداة ربط سياسي وأمني ويخلق سابقة مدمرة مفادها أن الانتماء السياسي قد يكون أكثر قيمة من المواطنة نفسها.

تقاعد المصريين:الاستثناء الذي تحوّل إلى قاعدة!!
ان تقاعد المصريين يمثل خللًا قانونيًا وإداريًا بالغ الخطورة فقد جرى التعامل مع عمالة وافدة مؤقتة وكأنها جزء دائم من الهيكل الوظيفي للدولة دون مراعاة لمبدأ الجنسية ، أو لمعادلة المساهمة مقابل الاستحقاق والنتيجة كانت تحميل الموازنة أعباء طويلة الأمد بلا مبرر سيادي وإشاعة شعور عام بالغبن حين يرى المواطن العراقي نفسه محاصرًا بالتعليمات والقيود بينما تُمنح الامتيازات خارج منطق الدولة.

الرفحاويون:ملف سياسي مفتوح بلا نهاية!!

ملف الرفحاويين هو أحد أخطر أمثلة تسييس التقاعد حيث نشأ في سياق استثنائي كان يفترض أن يُعالج بعدالة انتقالية مؤقتة لكنه تحوّل إلى التزام دائم وأداة انتخابية وطبقة ريعية كاملة تعيش على الدولة دون دور إنتاجي ، إن الإبقاء على هذا الملف مفتوحًا بلا مراجعة حقيقية لا يخدم العدالة ولا الاستقرار بل يكرّس ثقافة التعويض الأبدي، ويشل أي محاولة إصلاح لأن أي مساس به يُفسَّر سياسيًا لا وطنيًا.

الدرجات الخاصة:تقاعد الغنيمة!!
في قمة هذا الخلل تقف الدرجات الخاصة حيث لم يعد المنصب العام مسؤولية وطنية وانما استثمارًا شخصيًا بعائد تقاعدي مرتفع ،رواتب تقاعدية خيالية ومخصصات تُحتسب كرواتب ثابتة وفجوة طبقية فاضحة بين من يدير الدولة ومن يعمل فيها ،هذا النموذج دمّر أخلاقيات الخدمة العامة وشجع على السعي للمنصب لا للإصلاح ورسّخ شعورًا عامًا بأن الدولة ليست كيانًا جامعًا بل نادٍ مغلق لفئة محددة فقدم دولة الإنفاق بدل دولة المواطنة
النتيجة النهائية لكل ذلك هي دولة:
تُنفق أكثر مما تُنتج!
تُكافئ الولاء بدل الخدمة!
وتُحمّل الأجيال القادمة أعباء خيارات سياسية فاشلة!!
إن أي حديث عن إصلاح اقتصادي أو ضبط مالي يبقى لغوًا فارغًا ما لم يُفتح ملف التقاعد بشجاعة ويُعاد تعريف من يستحق راتب الدولة ومن يخدمها فعليًا!!

الخلاصة
ما يجري في النظام التقاعدي العراقي ليس خطأً تقنيًا ولا خللًا عابرًا وانما خيار سياسي متعمّد، وانحياز واضح، وتفريط صريح بالسيادة والعدالة الاجتماعية ،فالدولة التي تُقاعد الأجنبي، وتُغدق على المسؤول، وتُرهق موظفها، إنما تهدم نفسها ببطء، وتُفرغ مفهوم الوطن من مضمونه وما لم يُستعاد التقاعد بوصفه عقدًا أخلاقيًا بين الدولة ومواطنيها، ستبقى الخزينة تنزف، وستبقى الدولة تدفع ثمن خضوعها لمنطق الغنيمة لا منطق الدولة.
وانا لله وانا اليه لراجعون 

اترك تعليقًا

عرض
Drag