Skip links

العراق أمام اختبار الدولة والتعايش

من البلقنة إلى العرقنة..

أعاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في تصريحاته الأخيرة، إدخال مصطلح “بلقنة العراق” إلى التداول السياسي، عندما حذر من أن استمرار وجود قوى مسلحة مستقلة عن الحكومة قد يؤدي إلى “بلقنة” البلاد. وروبيو ربط تحذيره صراحة بضرورة وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الحكومة العراقية، وليس بإعلان مشروع أمريكي معلن لتقسيم العراق إلى دول أو كيانات مستقلة.

لكن المصطلح، بما يحمله من حمولة تاريخية وسياسية، يستحق قراءة عراقية أعمق.

فالعراق ليس البلقان، ولن يكون بالضرورة نسخة من يوغوسلافيا السابقة.

والسؤال الأهم ليس فقط: هل يمكن بلقنة العراق؟

بل:

هل يستطيع العراق أن يحول تعدده القومي والديني والمذهبي إلى نموذج للتعايش، بدلاً من تحويله إلى مشروع للصراع؟

وهنا يمكن أن نطرح مفهوماً عراقياً مقابلاً:

“العرقنة” بدلاً من “البلقنة“

إذا كانت “البلقنة” في الاستخدام السياسي تعني تفكك الدولة وتعدد مراكز القوة والسلطة، وصولاً في بعض الحالات إلى انقسام جغرافي وكيانات متنافسة، فإن “العرقنة” يمكن أن تعني إدارة التنوع العراقي داخل دولة واحدة.

العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب والطوائف والثقافات.

العرب والكرد والتركمان وغيرهم.

المسلمون والمسيحيون والإيزيديون والصابئة وغيرهم.

السنة والشيعة بمذاهبهم وتياراتهم المختلفة.

لكن هذا التنوع لم يمنع العراقيين، عبر قرون طويلة، من العيش في مدن ومناطق متداخلة، ومن تشكيل مجتمع واحد تتشابك فيه المصالح والعلاقات والاقتصاد والثقافة.

ولهذا فإن التنوع العراقي ليس مشكلة تحتاج إلى حل، وإنما حقيقة وطنية تحتاج إلى إدارة رشيدة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية إلى حدود

لا توجد مشكلة في أن يكون العراقي كردياً أو عربياً أو تركمانياً.

ولا توجد مشكلة في أن يكون سنياً أو شيعياً.

ولا توجد مشكلة في أن يكون مسيحياً أو إيزيدياً أو صابئياً.

المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الهوية من انتماء ثقافي واجتماعي إلى مشروع سياسي لإقصاء الآخر.

وعندما تتحول الطائفة إلى جيش، والقومية إلى حدود، والحزب إلى دولة، والسلاح إلى قرار سياسي مستقل، تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل.

وهنا يصبح تحذير روبيو جديراً بالنقاش، ليس بوصفه إعلاناً حتمياً عن تقسيم العراق، وإنما بوصفه تحذيراً من تعدد مراكز القوة والقرار داخل الدولة. وهذا هو التفسير الذي قدمه أيضاً تحليل حديث للتصريح، مشيراً إلى أن “البلقنة” المقصودة قد تعني تفتت السلطة داخل الدولة أكثر من إعادة رسم الحدود.

الدولة الواحدة لا تعني المجتمع الواحد

من الأخطاء السياسية الاعتقاد بأن بناء الدولة يتطلب إزالة الاختلافات.

الدولة الحديثة لا تحتاج إلى مواطنين متشابهين.

إنها تحتاج إلى قانون واحد ومؤسسات واحدة وسيادة واحدة.

يمكن أن تتعدد الثقافات، لكن لا ينبغي أن تتعدد السيادات.

يمكن أن تتعدد الأحزاب، لكن لا ينبغي أن تتعدد الجيوش.

يمكن أن تتعدد المذاهب، لكن لا ينبغي أن تتعدد مراكز القرار الأمني.

يمكن أن تختلف القوميات، لكن لا ينبغي أن تختلف المواطنة.

وهذه هي المعادلة التي يحتاجها العراق:

تعدد في الهوية، وحدة في الدولة.

تعدد في الثقافة، وحدة في المواطنة.

تعدد في السياسة، وحدة في السيادة.

السلاح.. من قضية أمنية إلى قضية دولة

من هنا تأتي أهمية ملف السلاح.

فحصر السلاح بيد الدولة ليس قضية مذهبية أو قومية، ولا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه استهداف لمكوّن بعينه.

إنه في جوهره قضية سيادة الدولة.

وقد أكدت الحكومة العراقية في تصريحات رسمية حديثة رفضها وجود سلاح خارج إطار الدولة، وربطت ذلك أيضاً بمنع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول أخرى.

كما أن خطة الحكومة لحصر السلاح تمتد، وفق التصريحات المنشورة مؤخراً، إلى مراحل زمنية تنتهي في منتصف عام 2027، مع تأكيد رسمي على أن العملية ينبغي أن تتم بعيداً عن الصدام المسلح.

وهنا يجب أن تكون القاعدة واحدة على الجميع:

لا سلاح سياسياً، ولا جيشاً حزبياً، ولا قراراً أمنياً خارج مؤسسات الدولة.

لكن في المقابل:

لا دولة قوية من دون مؤسسات عادلة، ولا سيادة مستقرة من دون مواطنة متساوية.

الخطر الحقيقي ليس “التنوع”.. بل “تسييس التنوع“

العراق لن يتفكك لأنه متعدد.

العراق يصبح معرضاً للتفكك عندما يُستخدم التعدد لتقسيم المجتمع إلى جماعات متصارعة.

وهنا يمكن أن تبدأ أخطر مراحل التفكك:

من الطائفة إلى الحزب،

ومن الحزب إلى الميليشيا،

ومن الميليشيا إلى منطقة نفوذ،

ومن منطقة النفوذ إلى سلطة موازية،

ومن السلطة الموازية إلى مشروع سياسي مستقل.

عندها يمكن أن تصبح الدولة موحدة على الورق، لكنها مجزأة في القرار.

وهذا هو أخطر أشكال “البلقنة الناعمة“.

العراق يمتلك شيئاً لا ينبغي التفريط به

رغم كل الحروب والصراعات والأزمات التي مر بها العراق، بقيت هناك حقيقة اجتماعية عميقة:

العراقيون أكثر اختلاطاً من الخرائط السياسية التي تحاول الفصل بينهم.

العائلات مختلطة.

المدن متداخلة.

الاقتصاد مشترك.

الأسواق مشتركة.

الأنهار مشتركة.

النفط والثروات الوطنية مشتركة.

والتاريخ مشترك.

ولهذا فإن أي مشروع لتقسيم العراق سيواجه حقيقة اجتماعية وجغرافية واقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد رسم خطوط على الخريطة.

العراق ليس مجموعة جزر بشرية منفصلة.

إنه نسيج متداخل.

وهذه الحقيقة يمكن أن تكون مصدر قوة للعراق إذا أحسن إدارة التنوع.

“العرقنة”.. مشروع عراقي قابل للحياة

لذلك يمكن للعراق أن يقدم للعالم مفهوماً مختلفاً عن البلقنة:

العرقنة.

والعرقنة هنا لا تعني تقسيم العراق حسب الأعراق، بل العكس تماماً:

إدارة الأعراق والقوميات والأديان والمذاهب داخل دولة عراقية واحدة.

أي أن يكون:

الكردي كردياً وعراقياً.

والعربي عربياً وعراقياً.

والتركماني تركمانياً وعراقياً.

والمسيحي مسيحياً وعراقياً.

والإيزيدي إيزيدياً وعراقياً.

والسني سنياً وعراقياً.

والشيعي شيعياً وعراقياً.

دون أن تتحول أي من هذه الهويات إلى دولة داخل الدولة.

وهذا هو جوهر المواطنة الحديثة.

الرسالة إلى الداخل والخارج

إذا كان العراق يريد أن يرد عملياً على مصطلح “البلقنة”، فلا يكون الرد بالشعارات فقط.

الرد الحقيقي هو بناء دولة قادرة على:

احتكار السلاح،

وتوحيد القرار الأمني،

وحماية الحدود،

وتطبيق القانون،

ومكافحة الفساد،

وتحقيق العدالة،

وضمان حقوق المكونات،

وتوزيع الثروة بعدالة،

وحماية الحريات،

ومنح الجميع شعوراً حقيقياً بأن الدولة دولتهم.

عندها يصبح من الصعب تحويل الاختلافات العراقية إلى مشاريع انفصال.

البديل عن البلقنة ليس إنكار التنوع.

والبديل ليس صهر الهويات.

والبديل ليس إلغاء القوميات أو المذاهب.

البديل هو الدولة.

دولة واحدة، وسيادة واحدة، وجيش ومؤسسات أمنية تحت قيادة الدولة، وقانون واحد، مع احترام كامل للتعدد العراقي.

ومن هنا يمكن اختصار المشروع العراقي بثلاث كلمات:

“تعددية المجتمع.. وحدة الدولة.”

فإذا كانت البلقنة تعني أن يتحول الاختلاف إلى انقسام،

فإن العرقنة التي يحتاجها العراق تعني أن يتحول الاختلاف إلى تعايش،

وأن تتحول التعددية من خطر على الدولة إلى مصدر لقوة العراق ووحدته.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي

اترك تعليقًا

عرض
Drag