Skip links

وتصطدم بحسابات واشنطن وتل أبيب

“باشان” تتمسك بالانفصال…

شفق نيوز- دمشق/ السويداء

بعد أكثر من عام على المواجهات الدامية التي شهدتها محافظة السويداء جنوبي سوريا، لم تعد القوى المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري تتحدث عن تسوية سياسية مع دمشق أو توسيع صلاحيات الحكم المحلي، بل باتت تطرح الانفصال الكامل بوصفه الخيار الوحيد لمستقبل المحافظة، في تحول يضع الجنوب السوري أمام معادلة معقدة تتداخل فيها المطالب المحلية مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.

لكن هذا التوجه يواجه عقبات تتجاوز رفض الحكومة السورية، إذ تكشف المواقف الأميركية الأخيرة عن تباين مع إسرائيل بشأن مستقبل السويداء، بينما تثير الانقسامات داخل المجتمع الدرزي، والظروف الاقتصادية الصعبة، تساؤلات حول مدى قدرة مشروع الانفصال على التحول من مطلب سياسي إلى كيان قابل للحياة.

وفي تصريحات خاصة لوكالة شفق نيوز، أكد إياس الخطيب، المتحدث باسم “مجلس إدارة باشان”، أن المجلس يتمسك بحق تقرير المصير والانفصال التام عن سلطة دمشق، معتبراً أن أحداث تموز 2025 أنهت إمكانية استعادة الثقة بالحكومة السورية، وجعلت العودة إلى العلاقة السابقة معها أمراً غير مقبول.

وقال الخطيب إن المطالبة بالاستقلال لم تنشأ نتيجة المواجهات الأخيرة وحدها، بل سبقتها دعوات لإقامة دولة سورية تعددية تقوم على دستور يضمن حقوق جميع المكونات، وبرلمان منتخب يتيح مشاركة حقيقية للسوريين في إدارة شؤون بلادهم.

غير أنه يرى أن عمليات القتل والانتهاكات التي شهدتها السويداء، وما رافقها من استهداف للمدنيين والقرى والممتلكات، دفعت باتجاه إعادة النظر بصورة جذرية في العلاقة مع السلطة المركزية.

وبحسب الخطيب، فإن ما حدث لم يكن مجرد مواجهة أمنية بين مجموعات مسلحة، وإنما استهدافاً للهوية الثقافية والتاريخية والاجتماعية للدروز، مشيراً إلى أن الخطاب الإقصائي والتكفيري شكّل، من وجهة نظره، تهديداً مباشراً لخصوصية المجتمع المحلي ومستقبله.

احداث تموز والقطيعة مع دمشق

تعود جذور التحول إلى تموز 2025، عندما اندلعت اشتباكات بين مجموعات درزية ومسلحين من البدو، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية ومقاتلين عشائريين، وتتحول إلى موجات من العنف الطائفي والانتقامي، رافقتها انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

ووفق تقرير أصدرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 27 آذار 2026، قُتل أكثر من 1,700 شخص خلال الأحداث، بينهم نحو 1,350 من الدروز وقرابة 70 من البدو وما لا يقل عن 225 عنصراً من القوات الحكومية السورية، إلى جانب ضحايا آخرين.

ووثقت اللجنة عمليات قتل وتعذيب واختطاف واحتجاز تعسفي ونهب وتهجير قسري، شملت انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية ومقاتلون عشائريون ومجموعات مسلحة درزية.

وأشار التحقيق إلى أن العنف مر بمراحل متعاقبة، بدأت بهجمات استهدفت مناطق درزية، أعقبتها اعتداءات انتقامية نفذتها مجموعات درزية ضد مدنيين من البدو، ثم موجة جديدة من الهجمات على قرى درزية، شارك فيها مقاتلون عشائريون وبعض أفراد القوات الحكومية بعد خلع زيهم العسكري.

وحذرت اللجنة من أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، وأن بعضها الآخر قد يشكل جرائم ضد الإنسانية، داعية إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأدت الأحداث إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، ظل قرابة 155 ألفاً منهم غير قادرين على العودة إلى منازلهم وقت صدور التقرير الأممي.

ولم تقتصر تداعيات المواجهات على الخسائر البشرية والدمار، إذ تدخل الجيش الإسرائيلي عسكرياً، مستهدفاً قوات ومواقع تابعة للحكومة السورية في السويداء، قبل أن يشن غارات على مواقع عسكرية في دمشق، بينها مقر هيئة الأركان، في تموز 2025.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت أحداث تموز نقطة فاصلة في العلاقة بين القوى الموالية للهجري ودمشق، بعدما تحولت المطالب من ضمان الحماية والمشاركة السياسية إلى الدعوة لإقامة كيان مستقل.

وفي السابع من نيسان 2026، أعلن الشيخ حكمت الهجري حل “اللجنة القانونية العليا” التي كانت تتولى مهام إدارية في المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، وكلف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل “مجلس الإدارة في جبل باشان”، بهدف تنظيم الشؤون المحلية والأمنية والخدمية.

وجاءت الخطوة في ظل واقع أمني تفرض فيه مجموعات درزية مسلحة، أبرزها تشكيلات “الحرس الوطني” المرتبطة بالهجري، نفوذها على مدينة السويداء وأجزاء واسعة من المحافظة، بينما تحتفظ الحكومة السورية بسيطرتها على مناطق ومواقع في أطرافها.

لكن تشكيل إدارة محلية لا يحسم وحده مسألة تمثيل المحافظة سياسياً، خصوصاً أن المجلس جاء بموجب تكليف من المرجعية الروحية، وليس نتيجة اقتراع عام يحدد مواقف السكان من الانفصال أو العلاقة مع دمشق.

كما أن المجتمع الدرزي نفسه لا يتبنى موقفاً سياسياً موحداً، إذ تتباين توجهات أبرز مرجعياته الروحية الثلاث، حكمت الهجري وحمود الحناوي ويوسف جربوع.

فبينما يقود الهجري التيار المطالب بالانفصال ويرفض عودة سلطة دمشق، يميل جربوع إلى تسوية سياسية ضمن الدولة السورية، مع معارضته التدخل الإسرائيلي، في حين يتخذ الحناوي مواقف تركز على حماية المجتمع الدرزي وضمان حقوقه، من دون تبني مشروع الانفصال بالصيغة التي يطرحها الهجري.

وتنسحب هذه الاختلافات على القوى المدنية والعسكرية، إذ وثقت تقارير أوروبية متخصصة وجود فصائل درزية تتباين مواقفها بين التنسيق مع الحكومة ومقاومة عودة سلطتها.

وتثير هذه الانقسامات سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تملك التفويض للتفاوض باسم المحافظة أو تقرير مستقبلها، ومدى إمكانية ترجمة موقف مجلس باشان إلى مشروع يحظى بتوافق محلي واسع.

كما أثار استخدام تسمية “جبل باشان” بدلاً من “جبل العرب” أو “السويداء” نقاشاً سياسياً وثقافياً داخل المحافظة، بين من يراها إحياءً لاسم تاريخي، ومن يعتبرها محاولة لإعادة تعريف هوية المنطقة في سياق التحولات السياسية الراهنة.

واشنطن ترسم حدود الدعم

في خضم هذا المشهد، برز تطور أميركي لافت في أواخر تشرين الأول 2026، عندما وجه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، انتقادات إلى شيخ درزي في السويداء لم يسمّه، في تصريحات فُهمت على نطاق واسع بأنها تستهدف حكمت الهجري.

وقال براك، خلال مقابلة مع الإعلامي ماريو نوفل نُشرت في 23 تشرين الأول، إن ما يقلقه في جنوب سوريا هو وجود شيخ درزي يستغل الانطباع بوجود دعم إسرائيلي وتوافق مع الولايات المتحدة لممارسة التضييق على دروز آخرين.

وأكد أن الإيحاء بامتلاك ذلك الشيخ دعماً أميركياً غير صحيح، في موقف يعكس حدود المساندة التي يمكن أن تتوقعها القوى المطالبة بالانفصال من واشنطن.

ولم تتوقف تصريحات المبعوث الأميركي عند مسألة الدعم السياسي، بل امتدت إلى اتهامات تتعلق بوجود شبكات لتصنيع الكبتاغون والاتجار به في المنطقة الممتدة بين السويداء ودرعا، معتبراً أن عائدات هذه الأنشطة قد تستخدمها بعض المجموعات لتمويل تسليح نفسها.

كما أعرب المبعوث الأميركي عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى تفاهم أمني بين سوريا وإسرائيل.

كما أن الموقف الأميركي لم يقتصر على التصريحات الأخيرة، إذ كانت الولايات المتحدة طرفاً في خارطة الطريق المعلنة في 16 أيلول 2025، بالتعاون مع سوريا والأردن، والتي نصت صراحة على أن السويداء جزء من الأراضي السورية، وأن معالجة الأزمة تستهدف إعادة بناء الثقة وصولاً إلى إدماج المحافظة في مؤسسات الدولة.

وتضمنت الخارطة التزامات بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وضمان تدفق المساعدات، وإعادة النازحين، ومعالجة ملف المحتجزين والمفقودين، إلى جانب ترتيبات أمنية وإدارية محلية.

على الجانب الآخر، اتخذت إسرائيل مواقف أكثر وضوحاً في دعم الدروز في سوريا، ولا سيما خلال المواجهات الدامية في تموز 2025.

ففي الخامس عشر والسابع عشر من ذلك الشهر، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التزام بلاده بحماية الدروز ومنع انتشار قوات عسكرية سورية في المنطقة الممتدة من جنوب دمشق إلى جبل الدروز، رابطاً ذلك بالترتيبات الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى فرضها قرب حدودها الشمالية.

وفي شباط 2026، نشر نتنياهو مقطعاً مصوراً لتظاهرة في السويداء رفعت خلالها صوره، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل دعم الدروز في سوريا.

وتقاطعت هذه المواقف مع تصريحات للشيخ حكمت الهجري، الذي تحدث في مقابلة نشرها موقع “واي نت” الإسرائيلي في كانون الثاني 2026 عن إقامة كيان درزي مستقل، واعتبر أن إسرائيل يمكن أن تضطلع بدور ضامن لترتيبات الحكم الذاتي أو المرحلة الانتقالية.

كما أشار الهجري إلى الروابط التاريخية والعائلية بين الدروز في سوريا وإسرائيل، واعتبر أن التدخل العسكري الإسرائيلي ساهم في وقف عمليات القتل خلال أحداث تموز.

غير أن الدعم الأمني والسياسي الذي تبديه تل أبيب لا يعادل اعترافاً رسمياً بدولة مستقلة في السويداء، ولا يوضح طبيعة الالتزامات التي يمكن لإسرائيل تقديمها على المدى الطويل.

وتتصل السياسة الإسرائيلية أيضاً بحساباتها الأمنية في الجنوب السوري، ولا سيما منع انتشار القوات السورية قرب الجولان المحتل، والحفاظ على ترتيبات تقلص التهديدات المحتملة على حدودها.

وهنا يظهر التباين بين واشنطن وتل أبيب، إذ تركز الولايات المتحدة على تثبيت الاستقرار عبر التفاهم مع دمشق، بينما تبدي إسرائيل تحفظات أمنية على انتشار قوات الحكومة السورية في الجنوب، وتحتفظ بعلاقات مع قوى محلية معارضة لسلطة الشرع.

دمشق وحدة البلاد

في المقابل، ترفض الحكومة السورية أي مشروع لتقسيم البلاد، وتؤكد أن الدروز جزء أصيل من النسيج الوطني، وأن حماية حقوقهم وأمنهم تقع ضمن مسؤوليات الدولة.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أكد في خطابين خلال تموز 2025 أن حماية الدروز وحرياتهم أولوية للحكومة، متعهداً بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورافضاً تحويل البلاد إلى ساحة لمشاريع الانفصال والتدخلات الخارجية.

وتعذر على وكالة شفق نيوز الحصول على تعليق جديد من دمشق بشأن تصريحات المتحدث باسم مجلس إدارة باشان، غير أن الحكومة السورية كانت قد جددت موقفها في بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا” في 15 تشرين الأول 2026.

وأكد مصدر مسؤول في الحكومة، وفق البيان، أن المكون الدرزي في السويداء كان وسيظل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، رافضاً تسييسه أو إقحامه في الدعاية والانتخابات الإسرائيلية.

واتهم المصدر إسرائيل بالقيام بدور مخطط له في أحداث تموز 2025 من خلال تسليح مجموعات وصفها بأنها خارجة عن القانون، بهدف إثارة الفوضى وخلق مبررات لتدخل عسكري أوسع، وهي اتهامات لم يتضمن البيان أدلة مستقلة للتحقق منها.

كما أكد استمرار العمل مع الولايات المتحدة والأردن لتنفيذ خارطة الطريق الثلاثية وإعادة إدماج المحافظة ضمن إطار وطني يضمن حقوق سكانها وأمنهم واستقرارهم.

وطالب المصدر المجتمع الدولي بممارسة الضغط على إسرائيل لاحترام اتفاقية فصل القوات لعام 1974 ووقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية السورية.

بعيداً عن الخلاف السياسي، يطرح مشروع الانفصال تساؤلات حول قدرة السويداء على إدارة اقتصاد مستقل، في محافظة تعتمد على النشاط الزراعي والتجارة والخدمات، وترتبط بشبكات إمداد وطرق نقل تمر عبر مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية.

ويقول الخطيب إن المحافظة تمتلك مقومات جغرافية واقتصادية تؤهلها لبناء كيان مستقل، مستنداً إلى موقعها وإمكاناتها الزراعية والموارد التي لم تُستثمر بصورة كافية، فضلاً عن فرص جذب الاستثمارات الخارجية وإقامة علاقات تجارية إقليمية ودولية.

اترك تعليقًا

عرض
Drag