ملك الأردن يؤكد أن يد العدالة “ستطال كل إرهابي”
حصيلة قتلى الهجوم على كنيسة في الكرك ترتفع إلى تسعة…
أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، اليوم، أنه لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح المواطنين في بلاده، مُجدِّداً إدانته للهجوم الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي المملكة، وأوقع تسعة قتلى إلى جانب أكثر من 25 جريحاً.
وبحسب بيان للديوان الملكي الأردني، جاء ذلك خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي في البلاد، ترأسه الملك عبد الله الثاني، واستمع فيه إلى “إيجاز أمني” بشأن الهجوم الذي نفذه أربعة مسلحين.

ووصف الملك الأردني الهجوم بـ”العمل الإرهابي المشين والغريب عن أردن الشهامة والوئام”، مؤكداً أن “أمن الأردنيين وسلامتهم خط أحمر“.
وأشار إلى أن يد العدالة “ستطال كل إرهابي”، مشدداً على أن “هذه الأفعال الجبانة، لم ولن ترهب الأردن والأردنيين ولن تزعزع وحدتهم الوطنية“.
ولم تعلن السلطات الأردنية حتى الآن عن اعتقال منفذي الهجوم الذي وقع خلال جنازة كانت تشهدها الكنيسة.
من هم المسيحيون الأردنيون؟ وماذا نعرف عن تاريخهم؟
وارتفع عدد قتلى إطلاق نار استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، إلى تسعة وفق حصيلة جديدة.
وزار فريق بي بي سي عربي مستشفى الأمير علي العسكري في الكرك صباح السبت حيث يرقد المصابون، وتحدثت سيدتان عما جرى الجمعة.
تصف نادية هلسة ما حدث بـ”الزلزال”، وتقول إن صوت الرصاص كان عالياً، وعندما خرجت من باب الكنيسة لتفقد ابنها وجدت الجثث ملقاة على الأرض، وأضافت أن المهاجمين كانوا يعاودون إطلاق النار على القتلى.
ساشا عمارين -التي ترقد في المستشفى إثر تعرضها لإصابة في البطن والرجل-، تقول إنها ظنت في البداية أن صوت إطلاق النار ناجم عن خلاف عائلي، لكن عندما خرجت ورأت المنظر هالها ما رأت من جثث ودماء.
ونشرت الكنيسة صور الضحايا القتلى وكلهم رجال، كما يرقد بعض المصابين في المستشفى بعضهم في حالة حرجة.
وأعلن رئيس الوزراء الأردني، جعفر حسان، الحداد لمدة ثلاثة أيام في جميع أنحاء المملكة، اعتباراً من الجمعة، مع تنكيس الأعلام.

كهنة من الكنيسة الأرثوذكسية في موقع إطلاق النار

قوات الأمن الأردنية خارج كنيسة في قرية حمود في محافظة الكرك الأردنية عقب إطلاق نار
وكان الملك عبد الله الثاني قد زار المصابين الجمعة واطمأن على أوضاعهم الصحية وسلامتهم، مشيراً إلى أن الأردن سيواجه “العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات“.
وقال الملك إن “دم الأردني غال، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد“.
وقال رئيس الوزراء الأردني، جعفر حسان، إن ما حدث هو نتيجة “الفكر التكفيري الإرهابي ونتيجة التطرف الأعمى“.
وبشأن احتمال وجود ارتباطات تنظيمية بين مرتكبي الهجوم وتنظيمات مسلحة، قال الناطق باسم الحكومة محمد المومني إن ما حدث “نتيجة فكر تكفيري وتشدد وتطرف، لكن أي ارتباطات تنظيمية تخضع للتحقيق من قبل الأجهزة الأمنية، وسيُعلن عنها عند انتهاء التحقيقات وثبوتها“.
وأضاف المومني أن لدى الأجهزة الأمنية معلومات وتفاصيل لن يُفصح عنها في هذه المرحلة حفاظاً على سلامة التحقيق.
وقال وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، خلال مؤتمر صحفي في الكرك: “نحن أمام عملية إرهابية”، مشيراً إلى أن “مجموعة من المتطرفين” نفذت الهجوم، وأن الأجهزة الأمنية تواصل جهودها للوصول إلى الجناة.
ووصف الفراية الهجوم بأنه “عمل أليم وفظيع لا مثيل له في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية“.
من جانبه، قال مدير الأمن العام الأردني، عبيدالله المعايطة، إن الحديث عن أسماء المشتبه بهم “سابق لأوانه”، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية لديها معلومات وتواصل تحقيقاتها، لكن لا يمكن تحديد إطار زمني لانتهائها نظراً إلى طبيعة الموقف.
وبثت قناة المملكة الرسمية مقطعاً مصوراً يظهر ثلاثة مسلحين يطلقون النار باتجاه الكنيسة، قبل أن يتقدموا نحو مدخلها ويواصلوا إطلاق النار.

خارطة الأردن
رعب وهلع
يروي الصحفي في بي بي سي نيوز عربي مجدي القسوس تجربة والديه اللذين كانا من بين المعزّين في الجنازة في الكنيسة عند وقوع الهجوم المسلح.
تلقى القسوس في الساعة 14:15 بالتوقيت المحلي اتصالاً من والدته تخبره بحدوث إطلاق نار داخل حرم الكنيسة، حيث كانت مع والده يحضران جنازة.
ودخل مسلحون إلى الساحة الخارجية، وأطلقوا النار على مجموعة من الموجودين، وأصابوا العديد منهم.
“وصفت لي والدتي لحظات الرعب والهلع التي دبت في الكنيسة؛ ارتمى الناس للاختباء تحت المقاعد، وابتعدوا عن الشبابيك، وبدأت تتصاعد أصوات الصلوات والصراخ، في حين حاول البعض الهرب”، يقول مجدي.
“بدأ الناس يستعيدون هدوءهم تدريجياً، ويخرجون من الكنيسة. بحسب والدتي، كان المشهد مروّعاً؛ أجساد ملقاة على الأرض، أحدهم حطمت الرصاصة رأسه، وآخر تمزق بطنه. الدماء انتشرت في كل اتجاه. تمكنت أمي من التعرف على أقاربها من بين المصابين“.
أُسعف المصابون إلى مستشفى الأمير علي العسكري في منطقة منشية أبو حمور، في الكرك.
وتجمع الناس في الخارج وبدوا في حالة من الحزن والصدمة، وأُغلقت الطرقات حول المستشفى. واضطر بعضهم إلى ركن سياراتهم بعيداً والقدوم سيراً على الأقدام.
وفُرضت أيضاً إجراءات أمنية مشددة قبيل وصول العاهل الأردني لتفقد المصابين.
وخارج المستشفى، حيث كان القسوس، بدت الأجواء مشحونة، وسط بكاء وصيحات لأشخاص فقدوا أحبتهم، فيما ظهرت على وجوه الموجودين علامات الصدمة والخوف والغضب.
وتحدث القسوس عن استياء كبير بين الأهالي بسبب ما وصفوه بـ”عدم تشديد القبضة على الإرهابيين“.
وفي مستشفى الكرك الحكومي، قال طارق العمارين، الذي أُصيب أحد أقاربه في الهجوم، لرويترز إن الكرك بأكملها تعيش حالة من الصدمة، وحمّل الحكومة وأجهزتها مسؤولية ما حدث، متسائلاً عن غيابها وكيف تُرك المهاجمون طلقاء.
وقال شهود عيان لبي بي سي إن المسلحين “حاولوا اقتحام الكنيسة، إلا أن الأهالي أغلقوا الأبواب وحالوا دون دخولهم“.
وأضاف شاهد عيان أن المسلحين “استهدفوا الموجودين في ساحة الكنيسة“.
وقدّر رجل كان موجوداً في الكنيسة مدة الحادث بنحو 15 دقيقة، وقال لبي بي سي إنه حاول حماية نفسه بإلقاء جسده على الأرض. ووصف مشاهدته الدماء والمصابين عند خروجه، ومن بينهم شخص قال إن “رأسه متفجر“
وفي شهادة أخرى نقلتها قناة المملكة الرسمية، قال أحد الموجودين إن إطلاق النار استمر نحو خمس دقائق، وإن عدد المشاركين في الجنازة داخل الكنيسة وخارجها تراوح بين 150 و200 شخص، مضيفاً أن معظم الضحايا تتراوح أعمارهم بين 50 و70 عاماً.
انتشار أمني مكثف
ترأس رئيس الوزراء جعفر حسان اجتماعاً أمنياً في محافظة الكرك بعد الهجوم، أكد خلاله أن المسؤولين عن الهجوم لن يفلتوا من العقاب.
وقال إن الأجهزة الأمنية تحشد مواردها لملاحقة المهاجمين وتقديمهم إلى العدالة، متوعداً باتخاذ إجراءات قانونية مشددة بحق كل من يثير الفتنة.
وقرر النائب العام في عمّان، حسن العبداللات، “حظر النشر في القضية التحقيقية المتعلقة بالأحداث التي وقعت في محيط كنيسة حمود بمحافظة الكرك“.
ويشمل القرار حظر نشر وتداول جميع الأخبار المتعلقة بالقضية، باستثناء ما يصدر عن الإعلام الحكومي الرسمي تحت إشراف وزارة الاتصال الحكومي.
من جانبها، حذرت مديرية الأمن العام، في بيان نقلته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، من تداول أي معلومات بشأن حادث إطلاق النار خلال الجنازة، داعية إلى الالتزام بالبيانات الرسمية الصادرة بشأن الحادث، تحت طائلة المساءلة القانونية.
وأدانت بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية الهجوم الذي استهدف كنيسة القديس جيورجيوس في قرية حمود، مؤكدة أنه لن ينال من الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في الأردن.
وقالت البطريركية في بيان: “إن كانت الرسالة تهدف لاقتلاعنا من أرضنا المقدسة وتهجيرنا منها، فإنها لن تزيدنا إلا تمسكاً بها وتجذراً فيها“.
وأضافت أن المسيحيين سيبقون جزءاً من تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله، معربة عن ثقتها بقدرة الأجهزة الأمنية على الوصول إلى المسؤولين عن الهجوم ومحاسبتهم.
ودعت إلى قرع أجراس جميع الكنائس في الأردن وفلسطين، السبت، عند الساعة 12 ظهراً، “إكراماً وحداداً على شهداء الاعتداء الإرهابي“.
من جانبه، استنكر وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني، محمد الخلايلة، الاعتداء، مؤكداً أن “حرمة دور العبادة مصونة، وأن المساس بها مرفوض دينياً وأخلاقياً ووطنياً“.
وشدد على أن المسلمين والمسيحيين في الأردن يشكلون نسيجاً وطنياً واحداً، وأن الوحدة الوطنية “خط أحمر لا يجوز المساس به“.
ودانت الأمم المتحدة الهجوم، وقال المتحدث باسم أمينها العام، ستيفان دوجاريك، إن الأمين العام يدعو إلى ملاحقة المسؤولين عنه ومحاسبتهم، معتبراً أن استهداف دار للعبادة، ولا سيما خلال مراسم جنازة، عمل بالغ الفظاعة.
وأدان الرئيس اللبناني، جوزاف عون، الهجوم، وقال، وفقاً لبيان الرئاسة، إن “الإرهاب لا دين له ولا وطن، وإن هدفه ضرب العيش المشترك ونشر الفتنة“.
كما أدان رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، الاعتداء، وقال في منشور على منصة إكس إن استهداف دار للعبادة يمثل إساءة إلى إنسانيتنا المشتركة.
ويشكل المسيحيون ما بين اثنين وثلاثة في المئة من سكان الأردن، وفقاً لموقع وزارة السياحة الأردنية، وينتمي معظمهم إلى الكنيسة الأرثوذكسية.
وتضم محافظة الكرك تجمعات مسيحية بارزة، من بينها عائلات وعشائر الهلسا والحجازين، وتوجد أحياء تضم عدداً كبيراً من العائلات المسيحية في مدينة الكرك.
أبرز الهجمات المسلحة في الأردن
ومنذ عام 2005، شهد الأردن عدة هجمات مسلحة، كان من أبرزها تفجيرات استهدفت ثلاثة فنادق في عمّان في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، وتبناها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وأسفرت عن مقتل نحو 60 شخصاً.
وفي 6 يونيو/حزيران 2016، قُتل خمسة من أفراد جهاز المخابرات العامة في هجوم مسلح استهدف مقراً للجهاز في منطقة البقعة بمحافظة البلقاء وسط الأردن.
وفي 21 يونيو/حزيران من العام نفسه، قُتل ستة من أفراد الأمن الأردني في هجوم انتحاري بسيارة مفخخة استهدف موقعاً عسكرياً متقدماً لخدمة اللاجئين في منطقة الركبان على الحدود مع سوريا.
وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 2016، قُتل سبعة من أفراد الأمن وأردنيان وسائحة كندية في هجوم مسلح بمدينة الكرك، تحصن خلاله مسلحون من خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية داخل قلعة الكرك.
