قانون الأحوال الشخصية..إلى أين؟
مشتاق الربيعي
برغم التعديل الذي طال قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959، وما أثاره من جدل واسع ومخاوف وانتقادات من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والطفولة، إلى جانب مواقف رافضة من بعض القوى السياسية والمدنية وشخصيات اجتماعية وأكاديمية، فإن بعض القوى السياسية أصرت على المضي بالتعديل وفق أحكام المدونة الجعفرية.
إن قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد نص قانوني عابر، بل هو تشريع يمس الأسرة العراقية بصورة مباشرة، ويترتب على أي تغيير فيه آثار اجتماعية وقانونية عميقة، ولا سيما فيما يتعلق بالزواج والطلاق والحضانة والنفقة وغيرها من القضايا الأسرية.
وكان من المفترض أن يتم طرح أي تعديل على هذا القانون من خلال حوار وطني ومجتمعي واسع، تشارك فيه مختلف الأطراف ذات العلاقة، وفي مقدمتها رجال الدين من مختلف المذاهب، والقضاة، والقانونيون، والشخصيات الأكاديمية والاجتماعية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والمرأة والطفولة، للوصول إلى صيغة قانونية متوازنة تلبي طموحات الجميع.
فالتشريع الذي يمس حياة الأسرة ومستقبل الأطفال لا ينبغي أن يكون مادة للصراع السياسي أو الطائفي، وإنما يجب أن يكون ثمرة حوار هادئ ومسؤول، يراعي الخصوصية الدينية والاجتماعية، ويحفظ في الوقت ذاته حقوق المرأة والطفل ويصون تماسك الأسرة العراقية.
ويرى المعترضون على هذا التعديل أنه يتعارض مع عدد من المبادئ التي أقرتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ولا سيما ما يتعلق بالعدالة وحماية حقوق المرأة والطفل، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في بعض نصوصه بما ينسجم مع الدستور العراقي ومبادئ حقوق الإنسان.
وقد شهدت بغداد وعدد من المدن العراقية احتجاجات واعتراضات على التعديل، ولا سيما بشأن ما يتعلق بالحضانة وتنظيم عقود الزواج، في حين تعرضت بعض النساء الرافضات للتعديل إلى اتهامات وانتقادات لا تستند، في كثير من الأحيان، إلى أساس موضوعي.
إن الاختلاف في الرأي حق مشروع، والاعتراض على أي تشريع لا ينبغي أن يتحول إلى تخوين أو تشويه للآخر. فالمرأة العراقية شريك أساسي في بناء المجتمع، والأسرة العراقية ليست ساحة للصراعات السياسية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إقصاء رأي أو فرض رؤية على طرف آخر، وإنما فتح باب الحوار أمام الجميع، والاستماع إلى رجال الدين والقضاة والقانونيين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني، للوصول إلى قانون عادل ومتوازن يشعر الجميع بأنه يمثلهم ويحفظ حقوقهم.
فالقوانين التي تنظم حياة الناس ينبغي أن توحّد المجتمع لا أن تزيد من انقسامه، وأن تحقق العدالة وتحمي الأسرة والطفل والمرأة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والطائفية.
