عراق بلّا دكتاتورية ولا فوضى
مشتاق الربيعي
منذ أن ذهب عصر الدكتاتورية المظلمة إلى غير رجعة، لا نريد عودة دكتاتورية جديدة بأي شكل من الأشكال، ولا نريد أن تتكرر ممارسات الاستبداد والتفرد بالقرار. فالعراق الذي عانى طويلاً من الدكتاتورية يستحق أن يعيش في ظل دولة تحترم مواطنيها، وتصون حرياتهم وحقوقهم، وتحتكم إلى الدستور والقانون.
إن سياسة التهميش والإقصاء لا تجدي نفعاً، ولا يمكن أن تكون طريقاً لبناء دولة مستقرة، فالعراق بحاجة إلى دولة مؤسسات يسودها القانون، وتحترم فيها إرادة الشعب، وتصان فيها كرامة المواطن، ويكون فيها الاختلاف السياسي والفكري أمراً طبيعياً لا سبباً للإقصاء أو الاستهداف.
كما أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على التعددية والحوار واحترام الرأي الآخر، وليس على فرض الرأي بالقوة أو محاولة إلغاء الآخرين. ولأن للخصومة أيضاً أخلاقيات وحدوداً، فإن الاختلاف مهما اشتد لا يبرر الإساءة أو التشهير أو الانتقام أو الاستهداف الشخصي، فالخصومة السياسية ينبغي أن تبقى ضمن حدود الاحترام والإنصاف.
ولذلك، يجب أن يكون السلاح حصراً بيد الدولة، وإنهاء كافة المظاهر المسلحة من الشارع العراقي، لأن هيبة الدولة لا تكتمل إلا عندما تكون المؤسسات الرسمية هي الجهة المسؤولة عن الأمن وحماية المواطنين وفرض القانون.
ولا يمكن بناء دولة قوية ومستقرة مع تعدد مراكز القوة والسلاح، فالقانون يجب أن يطبق على الجميع من دون استثناء، وأن تكون الدولة هي المرجعية التي يحتكم إليها الجميع، بعيداً عن الفوضى أو فرض الإرادة بالقوة.
إن استمرار المظاهر المسلحة وانتشار السلاح خارج إطار الدولة قد يقود إلى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار، ويُبقي البلاد في دائرة ما يمكن وصفه بـ«الفوضى الخلاقة»، بدلاً من الانتقال إلى دولة مستقرة يسودها القانون والمؤسسات.
العراق لا يحتاج إلى دكتاتورية جديدة، ولا إلى فوضى جديدة، وإنما يحتاج إلى دولة ديمقراطية حقيقية، تكون فيها الدولة فوق الجميع، والقانون فوق الجميع، وتحترم فيها إرادة المواطن وحقوقه وحرياته.
إن الانتقال من إرث الدكتاتورية إلى عصر الديمقراطية الجديدة يجب أن يكون انتقالاً حقيقياً نحو دولة المؤسسات وسيادة القانون، لا مجرد تغيير في العناوين. فالدولة القوية هي التي يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون فيها السلطة لخدمة المواطن، ويكون الاختلاف وسيلة للحوار والبناء، لا طريقاً للإقصاء والصراع
