Skip links

شمس التي لم تشرق طبيبة .. من مقعد الدراسة إلى قائمة الشهداء

كانت تهمس بكلمتي “الدكتورة شمس” ابتسامة وأملاً خلف المقعد الخشبي في كلية الطب. وفي الليلة ذاتها التي سبق صباحها امتحانٌ في علم وظائف الأعضاء، جاء القصف الإسرائيلي ليطفئ تلك الابتسامة إلى الأبد.

إنها طالبة كلية الطب شمس مجدي الكحلوت، التي استشهدت برفقة شقيقها يوسف وآخرين، في 30 أغسطس 2025، بعدما قصف طيران الاحتلال الإسرائيلي عمارة سكنية قرب مفترق التايلندي غربي مدينة غزة دون سابق إنذار أو تحذير.

استحضار حكاية

قبل أن توارى الذاكرة تحت ركام الحرب المتواصلة، تسابق رفيقاتها في مجموعة واتساب سنة ثالثة طب إلى استحضار حكايتها، يبنين منها لوحة لشابة غزّية لم تمنحها الحرب فرصة أن تلبس المعطف الأبيض.

في الصباح الذي سبق ليلة استشهادها، كانت زميلاتها يتهيأن لاختبار علم وظائف الأعضاء. وفي الشقة ذاتها التي لجأت إليها العائلة في حي الرمال غرب غزة، كانت شمس تراجع مع الليل ما درسته، غير مدركةٍ أن الفجر لن يأتي بالامتحان، بل بخبر رحيلها، وفق ما كتبه أستاذها الجامعي الدكتور أحمد حماد.

لا، أبداً. كانت طبيعية جداً، وكانت تدرس”، هكذا أجابت شقيقتها آية حين سألها الأكاديمي جهاد حماد: هل شعرت شمس بشيء؟ الجواب كان أشد مأساوية من أي توقع؛ فالموت في غزة لا ينذر أحداً، وضحاياه ليسوا دائماً في المواجهة، بل كثيراً ما يكونون على مكاتبهم يذاكرون.

تحمل هبة أبو هلال، زميلتها في المدرسة قبل الجامعة، صورة ذهنية حيّة عن شمس: “كانت بنت صفّي في المدرسة، وصديقة قريبة جداً. كانت كثيراً متفوقة ومؤدبة ونسمة.” ثم تضيف ما يختصر شخصيتها روحياً: “كانت حافظةَ القرآن في جامع فلسطين بغزة.”

كانت قاعدة في المقعد خلفي، وكنت أسمعها تردد: الدكتورة شمس — كطموح لها — وتردد بابتسامة وسعادة كبيرة، وتتخيل أنها طبيبة.”

هبة أبو هلال، زميلتها من المدرسة حتى الجامعة

وحين تصل هبة إلى ذكرى الرسوم الجامعية، تتوقف لحظة ثم تكمل: “كان في صعوبات بدفع الرسوم معها، ولكن دائماً تقول: ربنا بيسرها، ربنا بيحلها. وخلص.” تلك الجملة القصيرة تحمل عالَماً كاملاً من الصمود الغزّي أمام ثقل الحياة اليومية، قبل أن تأتي الحرب لتجعل تلك التفاصيل تبدو بعيدةً كالحلم.

وما إن أعلن عن نتائج الاختبار النصفي الذي أجراه الدكتور مصطفى في معمل النيورو، حتى صدمت الأستاذة الجميع: طالبة واحدة فقط نالت العلامة الكاملة من بين جميع الطلاب. وحين كشف الدكتور عن الاسم، كان اليوم الأول بعد استشهادها مباشرة.

يومها الدكتور عمَّم العلامات وبقول: من هاد اللي جايب العلامة الكاملة؟ — شمس. يا ربيييييي! كان توزيع العلامات أول يوم بعد استشهادها.”

آيات صلاح، زميلة في كلية الطب

هذا المشهد المرير يختصر شيئاً فارقاً: شمس لم تكن مجرد طالبة عادية تسعى للنجاح، بل كانت متفوقة من طينة مختلفة، يشهد على ذلك سجل أكاديمي لم تستطع الحرب أن تمحوه، حتى حين محت صاحبته.

فوج العنقاء

في يناير 2026، وفوق أنقاض مستشفى الشفاء المدمَّر، أقام 230 طبيباً وطبيبة من خريجي كلية الطب في الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر حفل تخرجهم، فيما بات يعرف بـ”فوج العنقاء 2025.

كانت سارة مجدي الكحلوت بين المتخرجين – شقيقة شمس التي فقدت قدمها في الحرب – ترتدي الرداء الأبيض الذي كانت أختها تحلم بارتدائه.

وفي ذلك الحفل كان ثمة فقرة لا توجد إلا في غزة: فقرة خاصة لأسر المتخرجين الشهداء والجرحى. أولياء أمور يحملون صور أبنائهم الشهداء بدلاً منهم، أو أبناء جاؤوا على كراسٍ متحركة أو بعكازات أو لم يأتوا البتة لأنهم لا يزالون يتلقون العلاج في الخارج. أما بعضهم فلا أحد يعلم إن كانت جثامينهم تحت الركام أم لا.

المشكلة التي تصعّب عليك الفراق، أن الشهداء ما بيكونوا حد عادي بالمرة. بيروحوا ويتركوا مكانهم فاضياً، مستحيل حد يقدر يعبّيه.”

مريم، زميلة في مجموعة واتساب طالبات الطب

حلم موثق

أما صديقتها نور أبو هيبة، فلم تجد كلمات تقولها. اكتفت بكتابة رقم تسجيل شمس في الكلية على المجموعة: 220230171. لا تعليق. لا تفسير. الرقم وحده كان يقول كل شيء: أن ثمة اسماً حقيقياً، وملفاً أكاديمياً، وحلماً موثَّقاً في قاعدة بيانات جامعة، لطالبة لن تتخرج أبداً.

وثّقت منصة “استهداف القطاع الصحي في غزة” التابعة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية استشهاد شمس الكحلوت وشقيقها الصغير يوسف جراء قصف استهدف الشقة التي كانت العائلة تقطنها في حي الرمال.

لم تكن شمس الكحلوت الضحية الوحيدة من الوسط الطبي والأكاديمي في غزة. فمنذ أكتوبر 2023، استشهد عشرات الأطباء والطلاب والأساتذة، في نمط وصفه مسؤولو منظمات صحية دولية بأنه ممنهج. ومع ذلك، أصرّ أبناء القطاع على إعادة بناء منظومتهم الصحية من الداخل؛ فالطلاب الذين كانوا في السنة الخامسة باتوا يعملون طواريء في المستشفيات وسط الحرب، وتخرّج منهم فوج كامل فوق أنقاض الشفاء.

والد شمس، مجدي الكحلوت، ذهب لحفل تخرج فوج العنقاء لا ليصفق لابنته، بل ليقف في “فقرة أهالي المتخرجين الشهداء” حاملاً صورتها. تخرّجت سارة، وشمس صورة في إطار. يوسف تحت الثرى. والأب يقف وحيداً يحمل حضور ثلاثة أبناء في لحظة واحدة.

قالت هبة أبو هلال في ختام رسالتها على المجموعة: “ربنا يسرها، ربنا يحلها. وخلص.” كأنها تستعير كلمات شمس الأخيرة عن الرسوم الجامعية، وتسقطها على كل شيء ما بعد ذلك.

اترك تعليقًا

عرض
Drag