ذكرى تشرين الخالدة
مشتاق الربيعي

تُمثّل انتفاضة تشرين الخالدة محطة مهمة في تاريخ العراق الحديث، إذ عبّرت عن تطلعات شريحة واسعة من العراقيين، ولاسيما الشباب، نحو مستقبل أفضل تسوده العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتُصان فيه كرامة المواطن وحقوقه. وقد رفعت الانتفاضة مطالب تتعلق بالإصلاح، ومكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز سيادة القانون، وبناء دولة المؤسسات التي يكون فيها المواطن محور الاهتمام وأساس التنمية والاستقرار.
إن المطالب الشعبية المشروعة تمثل جزءاً من الحياة الديمقراطية، وقد كفل الدستور العراقي حقوقاً أساسية، من بينها حرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وفقاً لأحكامه والقوانين النافذة. ومن هنا، فإن التعامل مع المطالب الشعبية ينبغي أن يستند إلى الحوار المسؤول، والاستماع إلى المواطنين، والعمل على إيجاد حلول واقعية تسهم في معالجة التحديات وتعزز الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، نثمن خطوة إرسال رئيس مجلس الوزراء وفداً لتسلّم مطالب المتظاهرين بوصفها تحركاً يمكن البناء عليه في فتح أبواب الحوار والتواصل المباشر مع المحتجين. ونأمل أن تتبع هذه الخطوة إجراءات عملية وجادة، تتضمن دراسة المطالب والاستماع إلى أصحابها، ووضع آليات واضحة للتعامل معها، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز الاستقرار، ويؤكد أن الحوار ليس مجرد لقاء عابر، بل مسؤولية تتطلب المتابعة والجدية والشفافية.
كما نتقدم بالشكر إلى الأحبة في تشرين على مبادرتهم الجميلة بحمل الزهور وتقديمها إلى فرسان القوات الأمنية، في مشهد يحمل دلالات إنسانية ووطنية تعبّر عن المحبة والسلام والاحترام المتبادل. فالزهور، بما تحمله من رمزية جميلة، يمكن أن تكون رسالة للتقارب وتأكيداً على أن أبناء الوطن الواحد، مهما اختلفت مواقفهم، تجمعهم أرض واحدة ومصالح مشتركة ومستقبل يتطلعون إلى بنائه معاً.
إن هذه المبادرة الحضارية تذكّرنا بأن العلاقة بين المواطنين والقوات الأمنية ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل، والتعاون، والثقة، في إطار القانون وحماية الحقوق والحريات. فالقوات الأمنية تؤدي مسؤولياتها في حفظ الأمن والنظام، والمواطنون لهم حقوق دستورية ينبغي احترامها، والتظاهر السلمي حق مكفول قانوناً. ومن المهم أن تسود لغة الحوار والتفاهم، وأن تُقدَّم المصلحة الوطنية على كل ما من شأنه توسيع الخلافات أو تعميق الانقسامات.
ومن المؤسف أن يتعرض بعض ناشطي تشرين إلى اتهامات تثير التساؤلات بشأن أدلتها وأسسها القانونية، الأمر الذي يستدعي التعامل مع هذه الملفات بمسؤولية، وضمان حق كل شخص في معرفة التهم الموجهة إليه والدفاع عن نفسه، مع الاحتكام إلى القضاء العادل واحترام قرينة البراءة. فالاتهامات لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام مسبقة، كما أن الفصل في أي قضية يجب أن يستند إلى الأدلة والإجراءات القانونية السليمة، بعيداً عن التشهير أو الإدانة قبل صدور الأحكام القضائية.
إن ناشطي تشرين هم أبناء العراق الأصلاء، وجزء لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي والوطني، وقد عبّروا عن تطلعاتهم وآمالهم في وطن تتوافر فيه فرص العمل، وتتقدم فيه الخدمات، وتتحقق فيه العدالة، وتُصان فيه كرامة الإنسان. وهم، شأنهم شأن سائر المواطنين، يستحقون أن تُحترم حقوقهم وأن تُسمع أصواتهم، وأن يجري التعامل مع مواقفهم ومطالبهم بروح وطنية مسؤول، بعيداً عن الإقصاء أو التشكيك أو التعميم.
إن الانتماء إلى العراق لا يرتبط باتفاق الجميع على رأي واحد، بل يقوم على المواطنة واحترام القانون والإيمان بحق كل مواطن في التعبير عن رأيه ضمن الأطر الدستورية. فالوطن يتسع لأبنائه بمختلف توجهاتهم، ولا ينبغي أن تتحول الاختلاف في الرأي إلى سبب للعداء أو التخوين، لأن قوة المجتمع تكمن في قدرته على استيعاب التنوع وإدارة الخلافات بالحوار والحكمة.
وبذات الوقت، فإن احترام وجهات النظر المختلفة يُعدّ من الأسس الجوهرية للديمقراطية، فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو مؤسسات رسمية، وإنما ثقافة وسلوك يقومان على تقبّل الرأي الآخر، واحترام حق الآخرين في التعبير، والإقرار بأن اختلاف الآراء أمر طبيعي في المجتمعات المتنوعة. وجميع وجهات النظر تستحق أن تُناقش باحترام، حتى عندما تتباين المواقف والتوجهات، ما دام التعبير عنها يجري في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين.
ومن الضروري أن نرسخ ثقافة الحوار في المجتمع العراقي، وأن نبتعد عن لغة التجريح والإساءة والتخوين، سواء في النقاشات السياسية أو عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالنقد الموضوعي حق مشروع، كما أن الرد على الآراء المخالفة حق مشروع أيضاً، لكن المسؤولية تقتضي أن يكون النقاش قائماً على الحجة والمنطق، لا على الاتهامات الشخصية أو محاولة إلغاء الآخر.
إن بناء الدولة الديمقراطية لا يتحقق بفرض رأي واحد أو إقصاء المخالفين، بل بتوفير بيئة آمنة يستطيع فيها المواطن التعبير عن رأيه دون خوف من التعسف، مع احترام القانون وحقوق الآخرين. كما أن ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يتطلب الاستماع إلى المطالب، ومعالجة المشكلات بشفافية، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، بحيث يشعر الجميع بأن حقوقهم مصونة وأن واجباتهم ومسؤولياتهم واضحة.
وفي ذكرى تشرين الخالدة، لابد من التأكيد أن استذكار هذه الانتفاضة ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة التجربة، واستخلاص الدروس، وتعزيز فرص الإصلاح والحوار الوطني. فالمطالب التي تتعلق بمستقبل الشباب، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة، وتوفير فرص العمل والخدمات، تحتاج إلى عمل مؤسسي مستمر، وإلى تعاون بين الدولة والمجتمع، بعيداً عن المزايدات أو استثمار الخلافات لتحقيق مصالح ضيقة.
كما أن احترام مطالب تشرين لا يعني التقليل من شأن أي وجهة نظر أخرى، بل إن الديمقراطية الحقيقية تتسع للجميع، وتمنح كل طرف حقه في التعبير والمشاركة، ضمن إطار دستوري يحفظ الحقوق ويحدد المسؤوليات. ومن هنا، فإن الحوار بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، والاستماع إلى الشباب والناشطين والمواطنين، يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع للتفاهم ويعزز الوحدة الوطنية.
إننا بحاجة اليوم إلى خطاب وطني جامع، يبتعد عن الانقسام، ويؤكد أن اختلاف الآراء لا ينتقص من قيمة المواطنة، وأن احترام المتظاهرين لا يتعارض مع احترام القوات الأمنية، وأن المطالبة بالحقوق لا تتناقض مع الحرص على أمن البلاد واستقرارها. بل إن التوازن بين الحقوق والحريات وسيادة القانون هو الطريق الذي يضمن استقرار المجتمع ويحفظ كرامة الجميع.
وسوف تبقى ذكرى تشرين الخالدة محطة تستحق التأمل في تطلعات العراقيين وآمالهم بمستقبل أفضل. فالزهور التي حملها المتظاهرون رسالة محبة وسلام، واحترام الرأي الآخر أساس الديمقراطية، والعدالة وسيادة القانون ضمانة لحقوق الجميع. ونأمل أن تكون هذه الذكرى حافزاً لمزيد من الحوار والإصلاح والعمل المشترك، من أجل عراق يتسع لجميع أبنائه، ويصون كرامتهم، ويمنح أجياله القادمة أملاً بمستقبل يسوده الأمن والعدالة والمساواة.
