Skip links

حماية مشروع مكافحة الفساد… مسؤولية وطنية تتجاوز حماية الأشخاص..

عندما تعلن أي حكومة حرباً حقيقية على الفساد، فإنها لا تواجه مجرد مخالفات مالية أو إدارية، بل تدخل في مواجهة مع شبكات تمتلك المال والنفوذ والعلاقات، وقد تلجأ إلى مختلف الوسائل للحفاظ على مصالحها. ولهذا، فإن التجارب الدولية تؤكد أن معارك مكافحة الفساد لا تُحسم في المحاكم وحدها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية، ومنظومة أمنية متماسكة، ومؤسسات قادرة على حماية مشروع الإصلاح.

وفي العراق، حيث استنزف الفساد مقدرات الدولة لعقود، وأصبح أحد أكبر معوقات التنمية والاستقرار، فإن أي تحرك جاد لفتح الملفات الكبرى واسترداد الأموال المنهوبة يستوجب توفير أعلى درجات الحماية للمؤسسات الدستورية، وللقضاة، وهيئات النزاهة، وأعضاء فرق التحقيق، ولكل من يشارك في تنفيذ القانون.

ولا ينبغي أن تُفهم هذه الحماية على أنها امتياز لشخص أو مسؤول، بل هي حماية لهيبة الدولة، ولحق الشعب في معرفة الحقيقة واستعادة أمواله. فتعطيل مسار العدالة أو ترهيب القائمين عليها يعني انتصار الفساد على القانون، وإضعاف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

إن نجاح أي حملة وطنية لمكافحة الفساد يتطلب تكاملاً بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية والقضائية والرقابية، مع اعتماد أساليب حديثة في تحليل المخاطر، وحماية الشهود، وتأمين التحقيقات، وتتبع الأموال، والتعاون مع المؤسسات الدولية المختصة باسترداد الموجودات المهربة.

وفي هذا السياق، يمكن أن يؤدي مجلس الخبراء العراقي دوراً وطنياً مهماً من خلال وضع خبراته العلمية والقانونية والاقتصادية والإدارية في خدمة الدولة والشعب. فالمجلس يضم نخبة من الأكاديميين والخبراء القادرين على إعداد الدراسات، وصياغة التشريعات، وتقديم الاستشارات، واقتراح الحلول العملية التي تعزز النزاهة والحوكمة الرشيدة، وتدعم جهود مكافحة الفساد وفق أسس علمية ومهنية.

كما يمكن لخبراء المجلس أن يسهموا في تصميم استراتيجيات وطنية لاسترداد الأموال المنهوبة، وتطوير أنظمة الرقابة والشفافية، وتقييم مخاطر الفساد في مؤسسات الدولة، وبناء برامج تدريبية للكوادر الحكومية، بما يعزز كفاءة المؤسسات ويحد من فرص الهدر والفساد.

إن العراق لا يعاني من نقص في الكفاءات، بل يحتاج إلى حسن توظيفها وإشراكها في صناعة القرار. وعندما تتكامل الإرادة السياسية مع الخبرة العلمية، وتعمل المؤسسات بروح الفريق الواحد، تصبح مكافحة الفساد مشروعاً وطنياً مستداماً، لا يرتبط بالأشخاص، بل بسيادة القانون واستمرار الدولة.

إن حماية مشروع مكافحة الفساد هي في جوهرها حماية لمستقبل العراق، وحماية لحقوق الأجيال القادمة. وكل جهد علمي أو أمني أو قانوني يُسهم في ترسيخ النزاهة هو استثمار في بناء دولة قوية، عادلة، وقادرة على صون المال العام وخدمة مواطنيها

البروفيسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي

اترك تعليقًا

عرض
Drag