ثروة على الورق
مشتاق الربيعي
ليست المشكلة في قلة الموارد، بل في غياب الإدارة القادرة على توظيفها بالشكل الصحيح. فالعراق، الذي يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في المنطقة، مايزال مواطنوه يبحثون عن أبسط مقومات الحياة، وكأنهم يعيشون في بلدٍ فقير لا يمتلك من الإمكانات شيئاً.
هذه المفارقة لم تعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحولت إلى واقع يومي يثقل كاهل المواطن ويطرح تساؤلات مشروعة عن جدوى هذه الثروة إن لم تنعكس على حياة الناس. كيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ؟ بلدٌ غني بموارده، وشعبٌ يعاني من أزمات مستمرة في الكهرباء والماء والوقود وسائر الخدمات الأساسية.
ساعات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي، شحّ في المياه الصالحة للاستخدام، طرق متهالكة، وخدمات صحية وتعليمية دون المستوى المطلوب، وحتى أسطوانة الغاز، التي يفترض أن تكون متوفرة بسهولة، أصبحت هاجساً يومياً يلاحق العائلات، ويزيد من معاناتها في تفاصيل حياتها البسيطة.
إن هذه الصورة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من سوء التخطيط، وضعف الإدارة، وغياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة. فالمشكلة ليست في الموارد بقدر ما هي في كيفية إدارتها. إذ لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت ثرواتها، أن تحقق التنمية دون وجود مؤسسات قوية، وإدارة كفوءة، ونظام رقابي فعّال يضمن عدم هدر المال العام.
لقد عانى العراق لسنوات من سياسات قصيرة الأمد، وقرارات ارتجالية لم تُبنَ على أسس علمية أو دراسات دقيقة، مما أدى إلى ضياع فرص كبيرة كان من الممكن أن تغيّر واقع الخدمات بشكل جذري. كما أن غياب المحاسبة الحقيقية للمقصرين فتح الباب أمام استمرار الأخطاء ذاتها، بل وتفاقمها مع مرور الوقت.
المؤلم في الأمر أن هذه الأزمات لم تعد مفاجئة، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، وكأنها أمرٌ طبيعي. وهذا التكيّف القسري مع الواقع يُعد من أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع، لأنه يؤدي تدريجياً إلى تآكل ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. فعندما يفقد المواطن ثقته، لا يعود يتوقع حلولاً، بل يكتفي بمحاولة التعايش مع الأزمات، مهما كانت قاسية.
إن ثقة المواطن هي رأس المال الحقيقي لأي دولة، وهي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وعندما تهتز هذه الثقة، يصبح من الصعب استعادتها دون إجراءات حقيقية وملموسة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الراعية لمواطنيها.
المواطن العراقي لا يطلب الكثير، ولا يسعى إلى رفاهية مفرطة، بل يطمح إلى حقوقه الأساسية: كهرباء مستقرة، ماء نظيف، خدمات صحية لائقة، تعليم يواكب التطور، وفرص عمل تحفظ كرامته. يريد أن يشعر بأن ثروة بلده ليست مجرد أرقام تُذكر في التقارير والإحصائيات، بل واقعاً يلمسه في تفاصيل حياته اليومية.
إن استمرار هذا التناقض بين الغنى والفقر الخدمي لا يمكن أن يستمر دون تبعات. فالإحباط المتزايد قد يتحول إلى فقدان الأمل، وفقدان الأمل ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي والاقتصادي. لذلك، فإن معالجة هذا الخلل لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحة تفرضها مصلحة الوطن ومستقبل الأجيال القادمة.
الحل لا يكمن في إطلاق المزيد من الوعود، ولا في تبرير الإخفاقات، بل في تبني إصلاحات حقيقية تبدأ من إعادة هيكلة المؤسسات، وتعزيز مبدأ الكفاءة في تولي المناصب، وتفعيل الرقابة والمحاسبة بشكل جاد وشفاف. كما يتطلب الأمر وضع خطط استراتيجية طويلة الأمد تُبنى على أسس علمية، وتُنفذ بإرادة سياسية صادقة.
ولا يمكن إغفال دور المواطن نفسه، الذي ينبغي أن يكون شريكاً في عملية الإصلاح من خلال المطالبة بحقوقه بطرق سلمية، والمساهمة في ترسيخ ثقافة المساءلة، ورفض الفساد بكافة أشكاله. فبناء الدولة مسؤولية مشتركة، لا تقع على عاتق جهة واحدة دون غيرها.
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة واضحة: الثروات وحدها لا تصنع الأوطان، بل الإدارة الرشيدة هي التي تحول هذه الثروات إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن. والعراق، بكل ما يمتلكه من إمكانات، قادر على أن يكون نموذجًا في النهوض إذا ما توفرت الإرادة والإدارة. فهل تبقى هذه الثروة حبيسة الأرقام والتقارير؟ أم آن الأوان أن تتحول إلى واقعٍ ملموس يغيّر حياة المواطن نحو الأفضل؟.
