Skip links

تشتّت الوطن بين القومية والدين والمذهب والطائفة والعشيرة والمنطقة…

اين الهوية الوطنية العراقية:

والسؤال الاهم :إذا تقدمت كل هذه الهويات على الوطن… فأين العراق؟

الدكتور المهندس مازن كمال الآلوسي

العراق ليس مجرد أرضٍ تقع بين حدود، ولا مجرد دولةٍ في خرائط العالم.

العراق حضارة، وتاريخ، وذاكرة، وهوية، ووطن.

وطنٌ كان أكبر من كل الانتماءات الفرعية، وأقدم من كثير من التقسيمات السياسية والاجتماعية التي طغت على المشهد خلال العقود الأخيرة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:

من نحن؟

بل:

هل ما زلنا نرى أنفسنا عراقيين أولًا؟

فالعراقي قد يكون عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا أو غير ذلك، وقد يكون مسلمًا أو مسيحيًا أو إيزيديًا أو صابئيًا أو من مكونات دينية أخرى، وقد ينتمي إلى مذهب أو طائفة أو عشيرة أو محافظة أو منطقة.

وهذا كله جزء من تنوع العراق.

لكن التنوع شيء، وتحويل التنوع إلى أداة لتقسيم الوطن شيء آخر.

من التعددية إلى المحاصصة:

بعد احتلال العراق عام 2003، برز في النظام السياسي العراقي نمط من تقاسم السلطة ارتبط بدرجة كبيرة بالهويات الإثنية والطائفية، وتطور لاحقًا إلى منافسة بين الأحزاب والكتل على مواقع الدولة ومواردها.

وقد وثّق البنك الدولي أثر هذا النمط على التجزؤ السياسي والمنافسة على السلطة والثروة.

كما تشير الأمم المتحدة إلى أن التهميش وعدم تكافؤ الفرص والانقسامات القائمة على الإثنية والطائفة والمنطقة تمثل تحديات أمام التماسك الاجتماعي وفعالية مؤسسات الدولة في العراق.

وهنا يجب أن نكون واضحين:

التعددية ليست المشكلة.

المشكلة عندما تتحول التعددية من مصدر قوة وثراء للمجتمع إلى وسيلة لتقسيم الدولة.

عندما يصبح السؤال:

من أي قومية؟

ومن أي دين؟

ومن أي مذهب؟

ومن أي طائفة؟

ومن أي عشيرة؟

ومن أي منطقة؟

قبل أن يكون السؤال:

هل هو عراقي؟ وهل هو كفوء؟ وهل هو نزيه؟

وهل يستحق المسؤولية؟

فهنا نكون قد انتقلنا من دولة المواطنين إلى دولة الجماعات.

من زرع أسفين التعددية؟

إن من يزرع التفرقة بين أبناء الوطن، أو يستثمر في الانقسامات القومية والدينية والمذهبية والطائفية والعشائرية والمناطقية، أياً كان موقعه أو دوافعه، لا يبني دولة وطنية.

ومن يجعل هذه الانتماءات أدوات للسلطة والنفوذ وتوزيع المناصب والموارد، فإنه يحول التعددية من نعمة إلى أسفينٍ يُدق في جسد الوطن.

فالأسفين لا يحتاج إلى أن يهدم البيت دفعةً واحدة.

يكفي أن يدخل بين أجزائه، ثم يتوسع الشرخ تدريجيًا.

وهكذا يمكن أن يبدأ الأمر بشعارٍ عن الهوية، ثم يتحول إلى حصة، ثم إلى منصب، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى شبكة مصالح، ثم يصبح الانقسام جزءًا من طريقة إدارة الدولة.

وهنا تقع الكارثة.

لأن الدولة عندما تُقسَّم في الوعي، يصبح تقسيم المصالح والسلطة والموارد نتيجة طبيعية.

الأخطر: أن ينقسم الإنسان قبل أن تنقسم الدولة

المشكلة لا تتوقف عند السياسة.

فالانقسام السياسي ينتقل إلى المجتمع، ثم إلى المدرسة والجامعة والوظيفة والإعلام.

وبمرور الزمن قد ينشأ جيل لا يسأل:

ماذا أستطيع أن أقدم للعراق؟

بل يسأل:

ماذا تستطيع جماعتي أن تحصل عليه من العراق؟

وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا.

لأن الدولة لا تعود في نظر المواطن بيتًا مشتركًا، بل تصبح ساحةً تتنافس فيها الجماعات على الحصص.

ومن هنا يبدأ تآكل الهوية الوطنية.

ليس لأن العراقي فقد حبه لقوميته أو دينه أو مذهبه أو عشيرته أو منطقته، وإنما لأنه بدأ يرى هذه الانتماءات باعتبارها الطريق الأول إلى الدولة.

وهنا نكون قد أضعفنا مفهوم المواطنة.

العراق هو الخيمة والبيت الواحد

العراق يجب أن يكون الخيمة الكبرى التي يتسع ظلها لجميع العراقيين.

وهو البيت الواحد الذي يعيش فيه الجميع متساوين في الكرامة والحقوق والواجبات.

لا يُسأل فيه الإنسان عن قوميته قبل كفاءته.

ولا عن مذهبه قبل نزاهته.

ولا عن طائفته قبل وطنيته.

ولا عن عشيرته قبل استحقاقه.

ولا عن منطقته قبل حقه.

القانون هو المعيار.

المواطنة هي الأساس.

الكفاءة هي الطريق.

والدولة هي المرجع.

وخيرات العراق ليست ملكًا لقومية، ولا لمذهب، ولا لطائفة، ولا لعشيرة، ولا لمحافظة.

نفط العراق، وغاز العراق، ومياهه، وأراضيه، وموانئه، وثرواته المعدنية، وموارده الاقتصادية، ومقدراته الاستراتيجية

ثروة وطنية للعراقيين جميعًا.

وهنا لا بد أن تكون الدولة عادلة في توزيع التنمية والخدمات والفرص، لأن العدالة بين المناطق والمواطنين تعزز الثقة بالدولة وتدعم التماسك الاجتماعي.

وهذا يتوافق مع تركيز برامج الأمم المتحدة في العراق على المؤسسات الشاملة والشفافة والمشاركة المتوازنة وتعزيز العلاقة بين المواطن والدولة.

لا نريد إلغاء التعددية

نحن لا نحتاج إلى إلغاء التعددية.

بل نحتاج إلى إلغاء استخدام التعددية لتقسيم الدولة.

لا نريد من العراقي أن يتخلى عن قوميته.

ولا عن دينه.

ولا عن مذهبه.

ولا عن طائفته.

ولا عن عشيرته.

ولا عن منطقته.

بل نريده أن يضع كل هذه الانتماءات في مكانها الطبيعي:

انتماءات يعتز بها، ووطن يجمعها.

القومية تُحترم، لكن الدولة للجميع.

الدين يُحترم، لكن المواطنة للجميع.

المذهب يُحترم، لكن القانون للجميع.

الطائفة تُحترم، لكن الحقوق للجميع.

العشيرة تُحترم، لكن القضاء للدولة.

المنطقة تُحترم، لكن العراق وطن الجميع.

إعادة بناء الهوية الوطنية

إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات.

إنها مشروع دولة ومشروع أجيال.

تبدأ من المدرسة والجامعة.

ومن كتابة التاريخ الوطني بصورة تجمع ولا تفرق.

ومن إعلام يعزز المواطنة بدل خطاب الكراهية.

ومن مؤسسات لا تسأل عن الانتماء قبل الكفاءة.

ومن إدارة تعتمد البيانات والحوكمة والشفافية.

ومن قضاء مستقل يحتكم إليه الجميع.

ومن أمنٍ وطني يحمي المواطن والدولة.

ومن تنمية متوازنة تصل إلى جميع المحافظات والمناطق.

ومن اقتصاد يخلق الفرص بدل أن يجعل الوظيفة العامة وسيلة لتوزيع الولاءات.

ومن دولة يشعر فيها العراقي أن:

حقه يأتيه من الدولة،

وحمايته يوفرها القانون،

وفرصته تحددها كفاءته،

ومستقبله مرتبط بمستقبل العراق.

العراق أكبر من أن يُختصر في هوية فرعية

العراق الذي صنع الحضارة لا يجوز أن يُختزل في خانة.

لا يجوز أن يكون:

قوميةً فقط.

ولا دينًا فقط.

ولا مذهبًا فقط.

ولا طائفةً فقط.

ولا عشيرةً فقط.

ولا منطقةً فقط.

هذه كلها مكونات في العراق.

لكنها ليست العراق.

العراق أكبر منها جميعًا.

العراق هو الوعاء الذي جمعها.

وهو الأرض التي عاش عليها أبناؤها.

وهو التاريخ الذي صنعوه معًا.

وهو المستقبل الذي لا يمكن أن يبنى إلا معًا.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين قومية وقومية.

ولا بين دين ودين.

ولا بين مذهب ومذهب.

ولا بين طائفة وطائفة.

ولا بين عشيرة وعشيرة.

المعركة الحقيقية هي بين منطق الدولة ومنطق الجماعة.

بين المواطنة والمحاصصة.

بين الكفاءة والولاء.

بين القانون والنفوذ.

بين بناء العراق وتقاسم العراق.

لقد آن الأوان أن نعيد ترتيب الأولويات:

من عراق الجماعات إلى عراق المواطنين.

من تقاسم الدولة إلى بناء الدولة.

من المحاصصة إلى الكفاءة.

من الولاءات الفرعية إلى المواطنة.

ومن السؤال:

من أنت؟

إلى السؤال الأهم:

ماذا قدمت للعراق؟

فالقومية والمذهب والطائفة والعشيرة والمنطقة انتماءات.

أما العراق

فهو الوطن.

العراق ليس هويةً من بين الهويات.

العراق هو الوطن الذي تتسع تحته كل الهويات.

والخيمة العراقية لا ينبغي أن تُرفع فوق جماعة، بل فوق الجميع.

العراق للعراقيين جميعًا.

وخيرات العراق للعراقيين جميعًا.

والدولة العراقية فوق الجميع.

والسؤال الذي يجب ألا نهرب منه:

إذا تقدمت كل الهويات على الوطن… فأين العراق؟

اترك تعليقًا

عرض
Drag