Skip links

بين توقيع الاتفاقيات وواقع البيئة الاستثمارية

الاستثمار الاجنبي في العراق

أ. د. محمد طاقة

من خلال متابعتي لزيارة السيد علي الزيدي إلى كل من فرنسا وألمانيا ، وما رافقها من لقاءات مع مسؤولين في البلدين ، فضلاً عن اجتماعه مع عدد من الشركات الكبرى والمستثمرين ، وتوقيع عدد من العقود ومذكرات التفاهم ، لفت انتباهي التركيز الكبير على دعوة الشركات والمستثمرين إلى الاستثمار في العراق ، والتأكيد على ان العراق يمتلك فرصاً استثمارية كبيرة ينبغي اغتنامها .

ولا شك ان التواصل مع الدول والشركات الاجنبية ، والسعي إلى جذب الاستثمارات إلى العراق ، امر مهم وضروري ، خصوصاً ان العراق بحاجة ماسة إلى تنويع اقتصاده واعادة بناء قطاعاته الانتاجية والخدمية ، إلا ان السؤال الذي ينبغي طرحه هو : هل تكفي دعوة المستثمرين وتوقيع مذكرات التفاهم والعقود لجذب الاستثمار الأجنبي إلى العراق ؟

ان المستثمر الاجنبي سواء كان شركة كبرى او مستثمراً  فردياً ، لا يتخذ قرار الاستثمار بناءً على الدعوات الرسمية او المؤتمرات واللقاءات وحدها ، وانما ينظر قبل كل شيء إلى البيئة التي سيعمل فيها ، والى مدى حماية أمواله وحقوقه ، وإمكانية تحقيق عائد اقتصادي مناسب على استثماره .

وهنا تكمن المشكلة الأساسية من خلال :

اولاً : البيئة التشريعية والقانونية

       يتطلب جذب الاستثمار وجود منظومة قانونية وتشريعية واضحة ومستقرة ، تحمي حقوق المستثمر وتحدد التزاماته ، وتوفر ضمانات حقيقية لحرية تحويل الارباح ورؤوس الاموال ، وتحمي الملكية الخاصة ، ولا تسمح بنزعها إلا وفق القانون والمصلحة العامة ، فضلاً عن توفير حوافز ضريبية وجمركية للمشاريع الاستراتيجية، كما ان المستثمر يحتاج إلى قضاء  فعال ومستقل ، والى آليات واضحة وسريعة لحل النزاعات ، لان راس المال يبحث قبل كل شيء عن الأمان القانوني .

ثانياً : الاستقرار السياسي والأمني

لا يمكن الحديث عن استثمارات اجنبية كبيرة من دون وجود بيئة سياسية وأمنية مستقرة ، فالمستثمر يحتاج إلى الاطمئنان على أمواله ومنشآته والعاملين لديه ، كما يحتاج إلى سياسات حكومية مستقرة لا تتغير بصورة جذرية مع كل تغيير سياسي او حكومي .

ان الاستقرار السياسي والامني ليس عاملاً ثانوياً في قرار المستثمر ، بل يمثل احد اهم العناصر التي تحدد ما إذا كان سيضع أمواله في بلد معين ام يبحث عن بلد آخر .

ثالثاً : الاستقرار الاقتصادي والمالي

هناك أيضاً مجموعة من الشروط الاقتصادية التي لا يمكن تجاهلها ، وفي مقدمتها استقرار سعر الصرف والسيطرة على التضخم ، والحفاظ على قيمة العملة ، وتطوير القطاع المصرفي وتوفير الخدمات المالية والمصرفية الحديثة وتسهيل  الحصول على التمويل .

ويضاف إلى ذلك ضرورة تقليص البيروقراطية ، وتبسيط اجراءات تاسيس الشركات والحصول على التراخيص ، ومكافحة الفساد المالي والإداري الذي يمثل احد اهم العوامل التي ترفع تكلفة الاستثمار وتضعف ثقة المستثمر .

رابعاً : البنية التحتية والقدرات البشرية

المستثمر لا يبحث عن الارض ورأس المال فقط ، وانما يحتاج الى بيئة متكاملة للعمل .

وهذا يتطلب وجود شبكات نقل ، وطرق ومطارات وموانيء كفوءة ، وشبكات كهرباء ومياه ، واتصالات مستقرة ، فضلاً عن تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية بما يقلل الوقت والكلفة والإجراءات البيروقراطية .

كما ان توفر العمالة المحلية المدربة والمؤهلة مهنياً يمثل عاملاً مهماً في نجاح المشاريع الاستثمارية ، لانه يقلل من تكاليف التشغيل ويوفر للمستثمر الموارد البشرية اللازمة لاستمرار المشروع وتطويره .

السؤال اين يقف العراق من كل ذلك ؟

وهنا اطرح السؤال على السيد علي الزيدي ، هل هذه البيئة الاستثمارية المتكاملة موجودة في العراق منذ عام (٢٠٠٣) وحتى يومنا هذا ؟

واذا كانت غير موجودة ، فهل تكفي الزيارات الرسمية وتوقيع العقود ومذكرات التفاهم لاقناع الشركات العالمية الكبرى بضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد العراقي ؟

ان المشكلة لاتتعلق فقط بالاستثمار الاجنبي ، وانما بطبيعة الاقتصاد العراقي نفسه ، الذي ما زال يعاني من اختلالات هيكلية واضحة ، وفي مقدمتها ضعف القطاعات الانتاجية وغياب الدور الفاعل للصناعة والزراعة ، إلى جانب محدودية مساهمة قطاعات الخدمات الحديثة في تنويع الاقتصاد .

كما ان الشركات العالمية والمستثمرين الذين تلتقي بهم الوفود العراقية ليسوا بعيدين عن معرفة واقع العراق انهم يمتلكون مراكز أبحاث وفرقاً قانونية واقتصادية تدرس الأسواق والمخاطر قبل اتخاذ اي قرار استثماري ، وهم يعرفون جيداً طبيعة البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق والمنطقة .

ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس ، هل توجد فرص استثمارية في العراق ؟ فالجواب بالتأكيد نعم . ولكن السؤال الحقيقي هو : هل توجد البيئة التي تجعل المستثمر قادراً على استغلال هذه الفرص بأمان واستقرار وتحقيق عائد اقتصادي مناسب ؟

لقد سبقت هذه الزيارة زيارات واتصالات عديدة قام بها رؤساء حكومات ومسؤولين عراقيون إلى دول مختلفة ، ورافقها الإعلان عن عشرات المشاريع والاتفاقيات ومذكرات التفاهم ، ومع ذلك ظل حضور الاستثمار الاجنبي المباشر في القطاعات الانتاجية محدوداً باستثناء المرتبطة بصورة خاصة بقطاع الطاقة .

وهذا يؤكد ان المشكلة ليست في عدم معرفة المستثمرين بالفرص الموجودة في العراق ، وانما في البيئة التي سيعمل فيه المستثمر بعد ان يقرر القدوم إلى العراق .

العراق لا يحتاج إلى المزيد من الصور واللقاءات والتوقيعات فقط ، وانما يحتاج إلى تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع حقيقية على الارض .

اما ان تتكرر الاتفاقيات ومذكرات التفاهم ثم لا تتحول إلى مشاريع فعلية ، فان ذلك لن يؤدي إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية التي يعاني منها العراق .

لذلك فان الأولوية ينبغي ان تكون إصلاح البيئة الداخلية للعراق قبل الاكتفاء بدعوة المستثمرين إلى القدوم اليه . والعراق اليوم بحاجة إلى استثمار حقيقي لا إلى دعاية استثمارية ، وبحاجة إلى مصانع ومشاريع إنتاجية وفرص عمل ، لا إلى مزيد من مذكرات التفاهم التي تبقى حبيسة الملفات الرسمية 

                            عمان

                      في ٢٥/٩/٢٠٢٦

اترك تعليقًا

عرض
Drag