المرأة تحت مطرقة الأعراف والقانون
مشتاق الربيعي
من المؤسف، وبرغم ما يشهده العالم من تطور ونهضة في مختلف المجالات، ما تزال المرأة في المجتمع العراقي تعاني من تأثيرات مزدوجة، تتمثل في ضغط الأعراف الاجتماعية من جهة، وقصور التطبيق العادل للقانون من جهة أخرى، الأمر الذي جعلها في كثير من الأحيان تقع تحت مطرقة تحدّ من حريتها وتعيق تحقيق حقوقها كاملة.
ففي بعض الحالات، تُجبر الفتاة على الزواج رغمًا عنها، وفي سن مبكرة، دون أن تكون قد بلغت النضج الفكري والعاطفي الكافي لتحمّل مسؤولية قرار مصيري كهذا. كما أن بعض الشباب يُدفعون إلى زواج غير قائم على الوعي والتوافق، ما يؤدي لاحقًا إلى علاقات هشة وغير مستقرة، سرعان ما تتعرض للانهيار.
وقد عكست الإحصائيات الحديثة حجم هذه الإشكالية، إذ سجّل العراق خلال عام 2025 أكثر من 71 ألف حالة طلاق مقابل نحو 329 ألف عقد زواج، بمعدل يقارب 200 حالة طلاق يوميًا، وهو مؤشر خطير يكشف عمق الخلل في بنية العلاقات الأسرية، ويطرح تساؤلات جدية حول أسس الاختيار قبل الزواج.
إن هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل هي نتيجة مباشرة لقرارات متسرعة أو مفروضة، وغياب الوعي الكافي بأهمية التوافق الفكري والنفسي بين الزوجين، حيث تُبنى كثير من الزيجات على ضغوط اجتماعية أو أعراف تقليدية، وفي بعض الأحيان على ضعف في تطبيق القوانين التي يُفترض أن تحمي الأسرة والأفراد.
كما أن التحديات لا تقف عند حدود الأعراف الاجتماعية فقط، بل تمتد إلى الإطار التشريعي ذاته، إذ إن التغييرات الأخيرة في قانون الأحوال الشخصية—والتي وُصفت من قبل الكثيرين بأنها غير موفقة—لم تُلبِّ طموحات وتطلعات شرائح واسعة من المجتمع، بل اعتبرها البعض مخالفة لروح القوانين السماوية والوضعية التي يفترض أن تقوم على العدالة وحماية الأسرة.
وقد واجهت تلك التعديلات معارضة واسعة من قِبل العديد من القوى السياسية، وشخصيات اجتماعية وأكاديمية، فضلًا عن منظمات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، التي حذّرت من تداعياتها الاجتماعية والقانونية. ورغم ذلك، أصرّت بعض القوى السياسية على تمريرها وتشريعها، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط المجتمعية والقانونية، مع الأسف الشديد.
ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الزوجين، بل تمتد لتطال الأطفال والأسرة والمجتمع بأكمله، مما يؤدي إلى نشوء أجيال في بيئات غير مستقرة، تنعكس سلبًا على التنمية والاستقرار الاجتماعي.
لذلك، ينبغي عدم السماح بالزواج دون بلوغ سن الرشد، كما هو معمول به في معظم دول العالم، لما لذلك من أهمية في ضمان النضج الفكري والعاطفي للطرفين. كما يجب منع زواج القاصرات بشكل قاطع، لأنه لا يمثل فقط انتهاكًا لحقوق الطفولة، بل يجهض البراءة ويقذف بها في مسؤوليات تفوق قدرتها ومرحلتها العمرية.
إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مراجعة جادة للمفاهيم الاجتماعية السائدة، وتعزيز دور القانون في حماية المرأة، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي الذي يرسّخ قيم العدالة والمساواة، ويحد من تأثير الأعراف السلبية.
فالمجتمع الذي يوازن بين العرف والقانون بعدالة، ويحمي أفراده من القرارات المصيرية المبكرة، هو مجتمع يسير بثبات نحو الاستقرار وبناء مستقبل أكثر إنصافًا للجميع
