Skip links

العراق بحاجة إلى ورقة إصلاح سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة

وجهة نظر

مشتاق الربيعي

العراق اليوم بحاجة إلى ورقة إصلاح وطنية شاملة، سياسية واقتصادية واجتماعية، تهدف إلى تصحيح مسار الدولة ومؤسساتها، ووضع العراق على طريق الاستقرار والتنمية، وإعادته إلى بر الأمان.

إن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون جزئياً أو مرتبطاً بمرحلة سياسية محددة، بل ينبغي أن يشمل مختلف مفاصل الدولة، وأن ينطلق من احترام الدستور والقانون، وترسيخ مبدأ المواطنة، وتعزيز دور المؤسسات، وضمان أن تكون إرادة الناخبين هي الأساس في تشكيل السلطة.

فالعملية السياسية، من وجهة نظر كثير من العراقيين، أصبحت في مراحل عديدة تعتمد على التوافقات السياسية في تشكيل الحكومات وتوزيع المواقع والمسؤوليات، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذه الممارسات مع ما نص عليه الدستور، وكذلك مع الإرادة التي عبّر عنها الناخبون من خلال صناديق الاقتراع.

إن التوافق السياسي يمكن أن يكون وسيلة للحوار والتفاهم بين القوى السياسية، لكن عندما يتحول إلى نهج دائم في تشكيل الحكومات وتوزيع المواقع، بعيداً عن نتائج الانتخابات والاستحقاقات الدستورية، فإن ذلك يحتاج إلى مراجعة حقيقية.

كما أن استمرار هذا النهج أسهم، من وجهة نظر منتقديه، في زيادة حالة الإحباط لدى شريحة من المواطنين، وفي اتساع الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بالقدر الكافي على شكل السلطة وصناعة القرار. وهذا الشعور يمكن أن ينعكس على مستوى الثقة بالعملية السياسية وعلى الرغبة في المشاركة الانتخابية.

وقد شهدت الانتخابات النيابية العراقية في السنوات الماضية تفاوتاً في نسب المشاركة، وهو ما جعل مسألة عزوف المواطنين عن الاقتراع موضع نقاش واسع. ومن هنا، فإن معالجة أسباب ضعف المشاركة لا تكون فقط بدعوة المواطن إلى الذهاب لصندوق الاقتراع، وإنما بإعادة بناء الثقة بين الناخب والعملية السياسية، وإقناعه بأن صوته له تأثير حقيقي في مستقبل الدولة.

إن الانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد عملية تجرى كل عدة سنوات، ثم تبدأ بعدها التفاهمات السياسية بمعزل عن نتائجها وإرادة الناخبين. فالانتخابات تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تكون نتائجها مؤثرة في تشكيل السلطة وصناعة القرار، وعندما يشعر المواطن أن صوته قادر على إحداث تغيير حقيقي.

إنهاء نهج دولة المكونات وترسيخ دولة المواطنة

ومن أهم ملفات الإصلاح المطلوبة، الانتقال من منطق دولة المكونات إلى دولة المواطنة، وإنهاء النهج السياسي الذي جعل الانتماءات المكونية أساساً في التعامل مع الدولة وتوزيع المواقع والمسؤوليات.

فالعراق، بتنوعه القومي والديني والمذهبي والاجتماعي، يمثل بلداً واحداً وهوية وطنية جامعة، ولا ينبغي أن تتحول عناصر التنوع الموجودة في المجتمع إلى أسس لتقسيم الدولة أو توزيع مؤسساتها ومناصبها.

إن استمرار التعامل مع العراقيين باعتبارهم مكونات سياسية منفصلة، بدلاً من التعامل معهم أولاً باعتبارهم مواطنين عراقيين متساوين، أسهم في إضعاف مفهوم الهوية الوطنية الجامعة، وأدى إلى ترسيخ انتماءات فرعية على حساب الانتماء الوطني.

إن التنوع العراقي يجب أن يكون مصدر قوة وغنى للمجتمع، لا سبباً للانقسام السياسي. فالمطلوب هو عراق يتسع للجميع، ويحترم خصوصية مكوناته، وفي الوقت نفسه يحافظ على هوية وطنية عراقية جامعة.

إن إنهاء نهج دولة المكونات لا يعني إلغاء أي مكوّن أو الانتقاص من حقوقه، بل يعني ضمان حقوق جميع العراقيين من خلال المواطنة والقانون والدستور، بعيداً عن منطق المحاصصة السياسية.

والإصلاح الحقيقي يجب أن يؤدي إلى دولة يكون فيها المواطن مواطناً قبل أن يكون منتمياً إلى أي مكوّن، وأن تكون الكفاءة والاستحقاق والنزاهة هي المعايير في إدارة مؤسسات الدولة.

المواطنة المتساوية

والإصلاح المنشود يجب أن يقوم على مبدأ أساسي، وهو المواطنة المتساوية؛ فلا مواطن فوق القانون، ولا مواطن أقل حقوقاً من غيره، ولا امتيازات على أساس الانتماء السياسي أو القومي أو الطائفي أو المناطقي.

فالعراقيون جميعاً ينبغي أن يتساووا في الحقوق والواجبات، وأن تكون الكفاءة والقانون والمصلحة العامة هي الأساس في إدارة الدولة.

العراق يمتلك الإمكانات البشرية والاقتصادية والطبيعية التي تؤهله لبناء دولة قوية ومستقرة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والفئوية، وتفتح الباب أمام إصلاحات واضحة في النظام السياسي والاقتصاد والإدارة والخدمات ومكافحة الفساد.

كما أن الإصلاح الاجتماعي لا يقل أهمية عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، من خلال تعزيز ثقافة المواطنة، واحترام التنوع، وحماية الحريات التي كفلها الدستور، وإتاحة مساحة أكبر أمام الشباب والطاقات الوطنية للمشاركة في بناء الدولة وصناعة مستقبلها.

إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الأزمات، بل يحتاج إلى مشروع وطني واضح تتفق عليه القوى السياسية والمجتمعية، ويكون هدفه بناء دولة المؤسسات والقانون، دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن صوته الانتخابي له قيمة، وأن مستقبله ومستقبل أبنائه لا يخضع للتوافقات والمصالح السياسية الضيقة.

إن وضع ورقة إصلاح وطنية شاملة لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح حاجة أساسية لمعالجة الاختلالات وتصحيح المسار، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ العملية الديمقراطية على أسس دستورية وقانونية واضحة، وبناء دولة يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، ويكون فيها القانون فوق الجميع.

فالعراق يستحق عملية سياسية أكثر وضوحاً، ومؤسسات أكثر فاعلية، وانتخابات أكثر تأثيراً، ودولة مواطنة يكون فيها العراقي أولاً، وتكون فيها الهوية الوطنية العراقية الجامعة أساساً للدولة، ويتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات

اترك تعليقًا

عرض
Drag