Skip links

العراق أمام امتحان الأمن والسلاح

انسحابان تفصل بينهما عودة…

شفق نيوز- بغداد/ واشنطن

في كانون الأول/ ديسمبر 2011، عبر آخر رتل أميركي الحدود العراقية إلى الكويت، منهياً انتشاراً عسكرياً بدأ مع غزو العراق، وبعد ما يقرب من خمسة عشر عاماً، أعلنت واشنطن، اليوم الأربعاء، انتهاء مهمة أخرى في البلاد، هذه المرة من قاعدة أربيل الجوية التي غادرتها قوات التحالف ومعداته.

وبين الرحيلين، عادت القوات الأميركية إلى العراق لمحاربة داعش، وتغير حجمها ودورها، فيما بقيت قدرة الدولة على إدارة أمنها السؤال الأثقل بعد المغادرة.

عندما أعلن الرئيس باراك أوباما سحب قواته في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، كان نحو 39 ألف جندي أميركي لا يزالون في العراق، وفي أيلول/ سبتمبر 2024، عند الإعلان عن خطة إنهاء مهمة التحالف التي تكتمل في عهد الرئيس دونالد ترمب، كان حجم القوة الأميركية المعلن نحو 2500 جندي.

لا يشير الرقمان إلى عدد من غادروا في اليوم الأخير من كل انسحاب، فالـ39 ألفاً كانوا ما تبقى عام 2011 من انتشار أكبر بكثير وصولاً لإنسحاب كامل.

ويكشف تباعد العددين اختلاف المهمتين، فقد جاء انسحاب أوباما في ختام حرب شنتها الولايات المتحدة عام 2003 لإسقاط نظام صدام حسين، بينما تنهي واشنطن اليوم دورها العسكري ضمن تحالف تشكل بعد سقوط الموصل بيد داعش عام 2014.

وفي الحالتين، سبق خروج القوات إعلان انتهاء دورها القتالي، عام 2010 في الأولى، وبنهاية 2021 في الثانية، حين تحولت مهمة التحالف رسمياً إلى المشورة والمساعدة.

وكان الموعد الذي نفذه أوباما محدداً قبل توليه الرئاسة، فالاتفاقية الأمنية التي أبرمها الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء نوري المالكي عام 2008 نصت على خروج القوات الأميركية بحلول نهاية 2011، وتعثر التفاوض لاحقاً على إبقاء قوة إضافية، خصوصاً بشأن الحماية القانونية للعسكريين الأميركيين.

انسحاب الجيش الأمريكي عام 2011

وفي خطاب إعلان الانسحاب، وعد أوباما بعلاقة طبيعية بين دولتين ذواتي سيادة، وقال إن بلاده ستواصل بحث تدريب القوات العراقية وتجهيزها، لكن سقوط الموصل بعد أقل من ثلاثة أعوام دفع بغداد إلى طلب مساعدة عسكرية دولية، فعادت القوات الأميركية بقيادة تحالف جديد.

ولا يكفي الانسحاب الأول وحده لتفسير صعود داعش، فقد تداخلت معه أزمات عراقية سياسية وأمنية والحرب في سوريا، ومع ذلك، جعلت عودة القوات عام 2014 من السؤال عن قدرات الجيش العراقي واستمرار الدعم الاستخباري جزءاً لا يغيب عن مناقشة أي خروج أميركي لاحق.

خطة الانسحاب الثانية بدأت هي الأخرى في عهد رئيس سبق من يستكملها، ففي أيلول/ سبتمبر 2024، اتفقت إدارة جو بايدن وحكومة محمد شياع السوداني على إنهاء مهمة التحالف العسكرية في العراق بحلول أيلول 2025، مع استمرار دعم العمليات ضد داعش في سوريا انطلاقاً من العراق حتى أيلول 2026 على الأقل، تبعاً للظروف الميدانية والمشاورات.

وبعد إخلاء مواقع التحالف في المناطق الاتحادية، ومنها قاعدة عين الأسد، وفق إعلان اللجنة العسكرية العليا العراقية في كانون الثاني/ يناير الماضي، بقيت المواقع في إقليم كوردستان المحطة الأخيرة.

وقال مسؤول عسكري أميركي إن معظم من تبقى من الجنود سيُعاد نشرهم في الأردن ودول أخرى بالمنطقة، وإن المعدات المنقولة تشمل منظومات للدفاع الجوي.

وأعلن البنتاغون اليوم انتهاء عملية “العزم الصلب” في العراق، قائلاً إن خروج القوات والمعدات من قاعدة أربيل يمثل نهاية المهمة العسكرية للتحالف في البلاد، لكنه أكد استمرار تدريب موجه ودعم استخباري للشركاء العراقيين، فيما تتولى القوات العراقية قيادة العمليات الرامية إلى تأمين البلاد وملاحقة خلايا داعش.

في بغداد، احتفل رئيس الوزراء علي الزيدي بانتهاء المهمة بحضور قائد قوات التحالف وقادة عسكريين عراقيين، وقال إن انتهاء وجود التحالف العسكري لا يعني انتهاء المواجهة مع الإرهاب، وتعهد بمواصلة التعاون الأمني مع الدول التي شاركت فيه.

كان الزيدي قد وصف 30 أيلول، خلال لقائه قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر في آب/ أغسطس، بأنه الموعد النهائي للمغادرة، كما أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، خلال مباحثاته مع رئيس الوزراء في واشنطن، التزام بلاده بتنفيذ تفاهمات 2024.

لكن انتهاء المهمة العسكرية داخل العراق لا ينهي التحالف الدولي بوصفه إطاراً لمواجهة داعش. ففي تصريح خاص لشفق نيوز نهاية آب، تحدث مسؤول رفيع في البيت الأبيض عن خفض المهام العسكرية والانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية دائمة.

ويبقى شكل هذه الشراكة، ولا سيما ما ستقدمه واشنطن من تدريب ومعلومات وصيانة وتسليح، رهناً بالترتيبات التي يتفق عليها البلدان بعد المغادرة.

وتظل مغادرة قوات التحالف منفصلة عن وجود القوات التركية، فقد أعلنت بغداد وأنقرة اتفاقاً على تسليم معسكر بعشيقة-زليكان تدريجياً إلى الحكومة العراقية وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما.

ومع خروج التحالف، يتجه اهتمام بغداد إلى ملف السلاح حيث ربطته بعض الفصائل بالمغادرة الأميركية.

وقال النائب أبو تراب التميمي لوكالة شفق نيوز إن الحكومة تستطيع حسم الملف إذا اكتمل الانسحاب، ورجح وجود تفاهمات مع واشنطن تساعدها على ذلك، من دون أن يقدم تفاصيل تثبت هذا التقدير.

في المقابل، حذر مصدر في الإطار التنسيقي من أن تحديد موعد نهائي قد يربك المفاوضات مع قادة الفصائل.

ولا ينتهي الموعد الحكومي لحصر السلاح اليوم، فالخطة التي عرضها الزيدي تبدأ بامتناع الفصائل عن شن هجمات لمدة 90 يوماً، تعقبه عملية تسليم السلاح، على أن تكتمل بحلول 30 حزيران/ يونيو 2027.

ويفصل بذلك نحو تسعة أشهر بين نهاية مهمة التحالف والموعد المعلن لاستكمال هذا الملف.

وتجري المناقشات حول السلاح في أكثر من مسار، فقد ميّز التميمي بين مشروعي قانوني هيكلية الحشد الشعبي وخدمة منتسبيه وتقاعدهم، وبين مقترح “السيادة” المتعلق بتنظيم سلاح الفصائل وآلية إدارته بالتنسيق مع هيئة الحشد.

وفي رد لشفق نيوز قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها تدعم جهود الزيدي لبسط سلطة الدولة ومنع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً منه.

ويرى مايلز كاغينز، المتحدث العسكري السابق باسم التحالف الدولي، أن توافق بغداد وواشنطن وتراجع قدرة داعش على السيطرة على الأرض مهدا للانسحاب، إلى جانب الضغوط السياسية التي مارستها أطراف موالية لإيران لإنهاء الوجود الأميركي.

انسحاب الجيش الأمريكي هذا العام 2026

وبحسب تقديره، يمكن أن يستمر التدريب والمشورة والتعاون في صيانة مقاتلات “إف-16” وطائرات “سي-130 جي” من دون انتشار دائم للقوات الأميركية في القواعد العراقية.

ويقول كاغينز إن واشنطن لا تطلب من العراق إغلاق حدوده مع إيران، لكنها تريد الحد مما يصفه بنفوذ طهران داخل المؤسسات العراقية وأنشطة الجماعات المسلحة المدعومة منها.

ويرى أن إخضاع تلك الجماعات لسلطة الدولة أصعب من جمع صواريخها ومسيّراتها، لأن لها امتدادات سياسية واقتصادية واجتماعية. وحذر من ردود أميركية محتملة إذا استمرت الهجمات على المصالح الأميركية والدولية أو إقليم كوردستان ودول الجوار.

في إقليم كوردستان، يتعلق القلق المباشر بما سيحل محل قدرات التحالف، وقبل أيام من موعد الانسحاب، حذّر رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني من تكرار ما أعقب خروج القوات الأميركية عام 2011.

واستعاد، في مقابلة تلفزيونية، نقاشات ذلك العام بشأن قدرة القوات العراقية على حماية البلاد، معرباً عن خشيته من عودة سيناريو صعود داعش، وإن أقرّ باختلاف الظروف الحالية.

بالمقابل قال رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، في تصريحات أعاد مكتبه نشر نصها يوم 27 أيلول، إن المغادرة تأتي في توقيت حساس وإن ترك الإقليم من دون منظومات دفاعية يبعث على القلق. واليوم شكر دول التحالف، مؤكداً استعداد القوات العراقية والبيشمركة لمواجهة التحديات بعد انتهاء المهمة.

كما حذر القائد الكوردي سيروان بارزاني، في حديث لرويترز، من أثر فقدان الدعم الاستخباري واللوجستي والطائرات المسيّرة.

في المقابل، قال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء صباح النعمان، إن بغداد تقترب من الحصول على منظومات دفاع جوي من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة، ضمن خطط تشمل حماية أجواء الإقليم.

وفي كلمته اليوم، ربط الزيدي انتهاء مهمة التحالف بتحمل العراق المسؤولية الكاملة عن أمنه

وقال: “لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة“.

وسيكون أمام حكومته حتى حزيران المقبل لتنفيذ الجدول الذي وضعته لحصر السلاح، بعدما غادر آخر جنود التحالف قواعدهم العراقية.

اترك تعليقًا

عرض
Drag