الدستور أم الأعراف؟
مشتاق الربيعي
منذ الانتخابات النيابية العراقية التي جرت في عام 2005، والمشهد السياسي في العراق بات يعيش أزمة متكررة تتعلق بكيفية تشكيل الحكومة وتوزيع الرئاسات. وقد أعاد حديث السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى الدكتور فائق زيدان الأخير تسليط الضوء على هذه الإشكالية، عندما أشار إلى عدم وجود فقرة دستورية صريحة تمنح ما يسمى بـ”الكتلة الأكبر” حق تشكيل الحكومة، رغم أن ذلك يُعد من روح الدستور، وهو ما أكده بهذا التوضيح المهم.
فالدستور العراقي، كما أشار السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى، يحدد أن القائمة الفائزة في الانتخابات هي التي ينبغي أن تتولى تشكيل الحكومة. ولو التزمت القوى السياسية بهذا النص الدستوري، لما كانت الخلافات تستمر لأشهر طويلة من أجل تقاسم المناصب وإرضاء الأطراف السياسية، بدلًا من احترام إرادة الناخبين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يمثلهم.
ولو جرى تطبيق ما أقره الدستور فعلًا، لتم تشكيل حكومة قوية من الكتلة الفائزة دون محاباة أو صفقات على حساب المصلحة الوطنية. ويمكن الاستشهاد بما حصل عند فوز قائمة الإعمار والتنمية بزعامة السيد محمد شياع السوداني، الذي يشغل اليوم موقع رئيس الوزراء في العراق، في حين كان يفترض أن يكون تشكيل الحكومة أكثر انسجاماً مع نتائج الانتخابات.
كما أن التجربة العراقية سبق أن شهدت حالات مشابهة، كما حدث في انتخابات عام 2010 عندما فازت القائمة العراقية بزعامة السيد رئيس الوزراء الأسبق الدكتور إياد علاوي، وكذلك مع قائمة “سائرون” بزعامة زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر. ففي تلك المحطات تم الابتعاد عن إرادة الناخب، واللجوء إلى التفاهمات السياسية التي أفرغت العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.
إن الحل يكمن في التمسك بروح الدستور واحترام نصوصه، والسماح للقائمة الفائزة بتشكيل الحكومة في البلاد، كما أشار إلى ذلك السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى، باعتباره رجل القانون الأول في العراق. فالديمقراطية لا يمكن أن تستقيم إذا بقيت الأعراف السياسية تتقدم على النصوص الدستورية وإرادة الناخبين.

Turn your network into income—apply to our affiliate program!