التضخم في العراق بين الرسمي والمكبوت
دراسة في الفجوة بين المؤشرات الإحصائية والقدرة الشرائية- الحلقة الاولى
الأستاذ الدكتور محمد طاقة
الفهرس
أولا: المقدمة
ثانيا: ماهية التضخم
ثالثا: نظريات التضخم
رابعا: واقع التضخم في العراق
خامسا: مدى انطباق نظريات التضخم على الاقتصاد العراقي
سادسا: التضخم الرسمي والتضخم المعيشي (المعاش) أو التضخم المكبوت
سابعا: الاستنتاجات
ثامنا: المقترحات
تاسعا: الخاتمة
عاشرة: المصادر
التضخم في العراق بين الرسمي والمكبوت
أ. د. محمد طاقة
أولا: المقدمة
يُعد التضخم من أبرز الظواهر الاقتصادية التي اكتسبت أهمية متزايدة في العقود الأخيرة، نتيجة لتكرار الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية والحروب والكوارث الطبيعية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وما رافقها من انعكاسات عميقة على استقرار الاقتصاديات الوطنية ومستويات معيشة السكان.
وقد أصبحت مشكلة التضخم تمثل تحديا رئيسيا أمام صناع السياسات الاقتصادية، لما لها من آثار مباشرة في النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وتتمثل أبرز آثار التضخم في انخفاض القوة الشرائية للنقود نتيجة الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية، ولا سيما دخول أصحاب الأجور الثابتة والفئات محدودة الدخل، ويجعل من الصعب على الكثير من الأسر توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية.
كما يسهم التضخم في اتساع رقعة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، وتعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، فضلا عن تأثيراته السلبية في الادخار والاستثمار والإنتاج.
ويرتبط التضخم أيضا بجملة من الاختلالات الاقتصادية الأخرى، وفي مقدمتها البطالة، إذ يعكس استمرار البطالة عجز الاقتصاد عن توفير فرص عمل تتناسب مع حجم القوى العاملة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض مستويات الدخل، وهو ما يزيد من حدة الآثار الاجتماعية للتضخم، خاصة عندما يجتمع ارتفاع الأسعار مع ضعف فرص العمل.
وقد شهدت معظم دول العالم، بدرجات متفاوتة، موجات تضخمية متعاقبة نتيجة الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والأوبئة، وما نتج عنها من تدمير للبنية التحتية وتعطل للإنتاج وسلاسل التوريد، فضلا عن الاختلالات الهيكلية التي أصابت اقتصاديات العديد من الدول. وقد انعكست هذه التطورات على ارتفاع معدلات التضخم عالميا، وإن اختلفت حدتها تبعا لطبيعة كل اقتصاد ومدى قدرته على مواجهة الصدمات.
ويُعد الاقتصاد العراقي من الاقتصاديات التي تمتلك خصوصية في دراسة ظاهرة التضخم، نظرا لاعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، وضعف مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في الإنتاج المحلي، واعتماده الواسع على الاستيراد لتلبية معظم احتياجات السوق المحلية. كما أن تدخل الدولة في إدارة سعر الصرف ودعم بعض السلع والخدمات والسياسات النقدية والمالية المتبعة، قد يؤدي إلى ظهور فجوة بين معدلات الرسمية التي تعلنها الجهات الإحصائية وبين مستويات ارتفاع الأسعار التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، وهو ما يمكن تسميته بـ “التضخم المكبوت” أو “التضخم غير الظاهر”، حيث لا تعكس المؤشرات الرسمية بصورة كاملة الضغوط التضخمية الكامنة في الاقتصاد.
ومن هذا المنطلق، تأتي الدراسة لتحليل ظاهرة التضخم في العراق، والتمييز بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت وبيان العوامل الاقتصادية والنقدية والإدارية التي تؤدي إلى اتساع الفجوة بينهما، مع محاولة تقييم مدى تعبير المؤشرات الرسمية عن الواقع الاقتصادي والمعيشي.
١– أهمية الدراسة :
تنبع أهمية الدراسة من تناولها إحدى أهم الاختلالات الاقتصادية التي تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال توضيح مفهوم التضخم وتفسيراته النظرية، وتحليل واقع التضخم في العراق، مع التركيز على التمييز بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت، وبيان انعكاساتها على مستويات معيشة المواطنين وصنع السياسات الاقتصادية.
٢– أهداف الدراسة :
تهدف هذه الدراسة إلى :
توضيح مفهوم التضخم وأهم النظريات الاقتصادية المفسرة له.
تحليل واقع التضخم في العراق والعوامل المؤثرة فيه.
بيان الفروق بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت وأسباب ظهور الفجوة بينهما.
دراسة أثر تدخل السلطات النقدية والمالية والإدارية في تثبيت معدلات التضخم الرسمية عند مستويات قد لا تعكس الواقع الفعلي للأسعار.
٣– منهجية الدراسة :
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة الأدبيات الاقتصادية المتعلقة بالتضخم، وجمع البيانات الإحصائية من المصادر الرسمية والدولية، وتحليل المؤشرات الاقتصادية ذات الصلة، والاستعانة بالجداول والرسوم البيانية للمقارنة بين معدلات التضخم الرسمية والمؤشرات التي تعكس واقع الأسعار في الاقتصاد العراقي، وصولا إلى تفسير الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت.
ثانيا: ماهية التضخم
تناول العديد من الباحثين والاقتصاديين مفهوم التضخم، واختلفت تفسيراتهم تبعا لاتجاهاتهم الفكرية ومدارسهم الاقتصادية، إلا أنهم اتفقوا على أن التضخم يرتبط بارتفاع المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، وما يترتب على ذلك من انخفاض القوة الشرائية للنقود وتراجع قيمتها الحقيقية. فكلما ارتفعت الأسعار أصبحت الوحدة النقدية غير قادرة على شراء كمية أقل من السلع والخدمات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة الأفراد.
ويُعد التضخم في جانبه الاقتصادي، نتيجة لاختلال العلاقة بين العرض والطلب، وغالبا ما ينشأ عندما ينمو العرض النقدي بمعدل يفوق معدل النمو الحقيقي للإنتاج، فتزداد القدرة الشرائية الاسمية للأفراد دون أن يقابلها ارتفاع مماثل في إنتاج السلع والخدمات، مما يؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.
إلا أن حصر مفهوم التضخم بمجرد ارتفاع الأسعار يُعد تبسيطا غير دقيق، فليس كل ارتفاع في الأسعار يُعد تضخما، فقد ترتفع أسعار سلعة معينة بسبب نقص إنتاجها أو زيادة الطلب عليها، كما قد ترتفع أسعار بعض السلع الكمالية أو يحدث ارتفاع مؤقت نتيجة ظرف استثنائي، دون أن يعني ذلك وجود تضخم اقتصادي.
ولكي يُعد ارتفاع الأسعار تضخما، لابد من توافر مجموعة من الشروط الأساسية وهي:
أن يكون هناك ارتفاع ملحوظ في المستوى العام للأسعار.
أن يشمل هذا الارتفاع معظم السلع والخدمات الأساسية والضرورية لحياة الإنسان، وليس سلعة أو مجموعة محدودة من السلع.
أن يستمر الارتفاع بصورة متواصلة ولمدة زمنية طويلة نسبيا مع اتجاه تصاعدي واضح.
وبناء على ذلك، فإن ارتفاع أسعار السلع الكمالية وحدها، أو ارتفاع سعر سلعة واحدة نتيجة لظروف خاصة، أو حدوث زيادة محدودة ومؤقتة في الأسعار بسبب عوامل طارئة، لا يُعد تضخما بالمعنى الاقتصادي، لعدم تحقق الشروط السابقة.
وانطلاقا مما تقدم يمكن تعريف التضخم بأنه:
“الارتفاع المستمر والمتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، خلال فترة زمنية، بما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للنقود وانخفاض قيمتها الحقيقية، وينشأ نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو التوسع المفرط في الإصدار النقدي أو تبني سياسات نقدية ومالية غير متوازنة”.
ولا يقتصر التضخم على العوامل الاقتصادية وحدها، بل يُعد ظاهرة معقدة تتداخل في تشكيلها عوامل سياسية ونفسية واجتماعية، فالأحداث السياسية، مثل الحروب والأزمات والعقوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي تؤثر في النشاط الاقتصادي والإنتاج وسلاسل الإمداد، وتؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار.
كما تلعب العوامل النفسية دورا مهما في تغذية التضخم، إذ تؤثر توقعات الأفراد والمستثمرين بشأن ارتفاع الأسعار في سلوكهم الاقتصادي، فعندما يتوقع المستهلكون استمرار ارتفاع الأسعار يتجهون إلى زيادة الإنفاق وتخزين السلع، بينما يضطر المنتجون والتجار إلى رفع الأسعار تحسبا لارتفاع التكاليف المستقبلية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي في وقت يبقى فيه العرض ثابتا أو ينمو بوتيرة أبطأ، فتتصاعد الأسعار بصورة أكبر، فيما يُعرف في الاقتصاد بـ “التضخم المدفوع بالتوقعات».
ثالثا: نظريات التضخم:
قدم الاقتصاديون العديد من التفسيرات لظاهرة التضخم، واختلفت آراؤهم باختلاف مدارسهم الفكرية، إلا أن معظم هذه التفسيرات يمكن تصنيفها ضمن ثلاث نظريات رئيسية هي: نظرية التضخم الناشئ عن دفع الكلفة ونظرية التضخم الناشئ عن سحب الطلب والنظرية النقدية، وتسعى كل واحدة من هذه النظريات إلى تفسير الأسباب التي تؤدي إلى الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار.
١– نظرية التضخم الناشئ عن دفع الكلفة:
ترى هذه النظرية أن التضخم ينشأ نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ تؤدي الزيادة في عناصر الكلفة إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة من السلع والخدمات، الأمر الذي يدفع المنتجين إلى رفع أسعار منتجاتهم لتعويض تلك الزيادة والمحافظة على مستويات أرباحهم وتبرز هذه الظاهرة في العديد من اقتصاديات العالم، ولا سيما في الدول النامية،
بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية المستوردة، وزيادة تكاليف النقل والطاقة، وارتفاع الأجور، فضلا عن انخفاض إنتاجية العمل، والاستغلال غير الكامل للطاقات الإنتاجية، والهدر في استخدام الوقت والمواد الأولية والمكائن والمعدات، بالإضافة إلى الضرائب والسياسات الحكومية التي تزيد من أعباء الإنتاج.
ويرى أنصار هذه النظرية أن المنتجين غالبا ما ينقلون الزيادة في تكاليف الإنتاج إلى المستهلك النهائي من خلال رفع الأسعار، وهو ما يؤدي إلى نشوء التضخم حتى في الحالات التي لا يقابلها ارتفاع مماثل في الطلب على السلع والخدمات.
وتتمثل أهم أسباب التضخم وفق هذه النظرية في:
ارتفاع الأجور
ارتفاع أسعار المواد الأولية
ارتفاع التكاليف المستوردة
انخفاض إنتاجية العمل
الهدر وسوء استخدام الموارد والطاقات الإنتاجية
الضرائب والسياسات الحكومية التي تؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج.
٢– نظرية التضخم الناشئ عن سحب الطلب:
تفسر هذه النظرية التضخم بأنه نتيجة زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات بمعدل يفوق قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج، مما يؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض الكلي والطلب الكلي، فتتبدأ الأسعار بالارتفاع بصورة مستمرة.
ويحدث هذا النوع من التضخم عندما تتوفر لدى الأفراد والشركات سيولة نقدية أكبر تدفعهم إلى زيادة الإنفاق والاستهلاك، في حين يبقى المعروض من السلع والخدمات محدودا أو غير قادر على مواكبة هذه الزيادة في الطلب، ويعبر الاقتصاديون عن هذه الحالة بالقول: «نقود كثيرة تطارد سلعا قليلة».
وتعد هذه النظرية من أكثر النظريات شيوعا في تفسير التضخم، إذ ترى أن السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار يكمن في زيادة الطلب الكلي مقارنة بالعرض الكلي، الأمر الذي يولد ضغوطا تضخمية تؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.
وتتمثل أهم أسباب التضخم وفق هذه النظرية في:
زيادة الميل للاستهلاك
زيادة الإنفاق الحكومي
التوسع في الائتمان المصرفي
اتباع السياسات النقدية التوسعية
التوقعات الاقتصادية الإيجابية التي تشجع على زيادة الإنفاق والاستثمار.
٣– النظرية النقدية :
ترى النظرية النقدية أن التضخم ظاهرة نقدية بالدرجة الأولى، وأن السبب الرئيسي لحدوثه يتمثل في الزيادة المفرطة في عرض النقود مقارنة بمعدل نمو الإنتاج الحقيقي في الاقتصاد. وتنطلق هذه النظرية من أن زيادة عرض النقود تؤدي إلى ارتفاع القدرة الشرائية للأفراد والشركات، ومن ثم زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات، فإذا لم يقابل ذلك زيادة مماثلة في الإنتاج، فإن الفجوة بين الطلب والعرض تؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار بصورة مستمرة.
ووفقا لهذه النظرية، فإن قيام البنك المركزي بزيادة الإصدار النقدي أو التوسع في عرض النقود دون وجود زيادة حقيقية في الإنتاج يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، ومن ثم ارتفاع الأسعار، ولذلك تؤكد النظرية النقدية أن المحافظة على استقرار الأسعار تتطلب تحقيق توازن بين معدل نمو عرض النقود ومعدل نمو الناتج الحقيقي.
وباختصار، فإن هذه النظرية ترى أن زيادة عرض النقود دون زيادة مقابلة في الإنتاج الحقيقي تؤدي إلى انخفاض قيمة العملة وارتفاع الأسعار، وهو ما يجعل التضخم في جوهره ظاهرة نقدية ناتجة عن اختلال العلاقة بين الكتلة النقدية وحجم الإنتاج.
رابعا: واقع التضخم في العراق
مرَّ الاقتصاد العراقي خلال العقود الأخيرة بظروف سياسية واقتصادية استثنائية قلّ نظيرها في المنطقة، بدءا من الحرب العراقية الإيرانية، ثم حرب الخليج الثانية، وما أعقبها من حصار اقتصادي وعقوبات دولية ووقف لتصدير النفط خلال المدة (١٩٩٠ – ٢٠٠٢)، وصولا إلى غزو العراق عام (٢٠٠٣)، وما ترتب عليه من تدمير واسع للبنية التحتية الاقتصادية، وتدهور الوضع الأمني، وتراجع الإنتاج وانتشار الفساد المالي والإداري، وهدر الموارد العامة، وارتفاع مستويات الدين العام، وظهور العجز في الموازنة العامة.
وقد شكلت هذه العوامل مجتمعة ضغوطا كبيرة على الاقتصاد العراقي، وأضعفت قدرة السياسات المالية والاقتصادية على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من الضغوط التضخمية.
الأمر الذي يجعل دراسة واقع التضخم في العراق ضرورة لفهم طبيعة هذه الظاهرة والعوامل المؤثرة فيها.
