Skip links

التضخم في العراق بين الرسمي والمكبوت

دراسة في الفجوة بين المؤشرات الإحصائية والقدرة الشرائية- الحلقة الثانية

ويبين الجدول رقم (١) معدلات التضخم السنوية في العراق خلال المدة (٢٠١٥ – ٢٠٢٤) اعتمادا على بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والجهاز المركزي للإحصاء العراقي.

جدول رقم (١)

السنةمعدل التضخم
٢٠١٥١,٢٩
٢٠١٦٠,٥٦
٢٠١٧٠,١٨
٢٠١٨٠,٣٧
٢٠١٩٠,٢ ٪
٢٠٢٠٠,٥٧ ٪
٢٠٢١٦,٠٧
٢٠٢٢٤,٩٩
٢٠٢٣٤,٣٦
٢٠٢٤٣,٢

ومن الجدول يتضح ما يأتي:

١مرحلة الاستقرار النسبي للتضخم (٢٠١٥ – ٢٠٢٠):

يتضح من بيانات الجدول أن معدلات التضخم خلال هذه المرحلة اتسمت بالانخفاض والاستقرار، إذ بقيت في معظم السنوات دون (١٪) بل سجل الاقتصاد العراقي انكماشا طفيفا في عام (٢٠١٩) ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، أهمها:

استقرار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار.

ضعف الطلب المحلي نتيجة الأزمة المالية وانخفاض أسعار النفط.

اعتماد العراق بصورة كبيرة على استيراد السلع الاستهلاكية ذات الأسعار المستقرة نسبيا.

اتباع البنك المركزي العراقي سياسة نقدية متحفظة أسهمت في الحد من الضغوط التضخمية.

لذلك بقي المستوى العام للأسعار مستقرا نسبيا طوال هذه الفترة.

٢ارتفاع التضخم خلال عام (٢٠٢١):

شهد العراق أعلى معدل تضخم خلال العقد الأخير في عام (٢٠٢١) إذ بلغ نحو (٦,٠٧) ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى:

تخفيض سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في نهاية عام (٢٠٢٠) بنسبة تقارب (٢٣٪)، مما أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع المستوردة.

الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة بعد جائحة كورونا.

اختناقات سلاسل الإمداد العالمية.

الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على الاستيراد، الأمر الذي سرّع انتقال التضخم العالمي إلى الأسواق المحلية.

ويُعد تخفيض سعر الصرف العامل الأكثر تأثيرا في ارتفاع معدل التضخم خلال تلك السنة.

٣تراجع التضخم مع استمرار الضغوط (٢٠٢٢ – ٢٠٢٤):

رغم انخفاض معدل التضخم خلال عامي (٢٠٢٢) و(٢٠٢٣) مقارنة بعام (٢٠٢١)، فإنه بقي عند مستويات أعلى من متوسط السنوات السابقة، ويعود ذلك إلى استمرار عدد من العوامل، أبرزها:

استمرار آثار الحرب الروسية – الأوكرانية على أسعار الغذاء والحبوب.

ارتفاع تكاليف النقل والشحن الدولي.

استمرار انتقال آثار تخفيض سعر الصرف إلى الأسواق المحلية.

زيادة الإنفاق الحكومي وتحسن الدخول نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

وفي المقابل، ساهم تحسن سلاسل الإمداد العالمية وتراجع الأسعار الدولية تدريجيا في الحد من الضغوط التضخمية، وتشير أحدث التقديرات إلى انخفاض معدل التضخم إلى نحو (٣ ٪).

٤طبيعة التضخم في الاقتصاد العراقي :

على الرغم من أن العراق يعد اقتصادا نفطيا، فإن التضخم فيه لا يتحدد بصورة رئيسية بالإنتاج المحلي، وإنما يتأثر بدرجة كبيرة بالعوامل الخارجية، وذلك للأسباب الآتية:

محدودية مساهمة القطاعين الزراعي والصناعي في تلبية الطلب المحلي.

اعتماد الاقتصاد على استيراد أكثر من (٨٠ ٪) من السلع الاستهلاكية.

ارتباط الأسعار المحلية بتقلبات سعر صرف الدولار والأسعار العالمية للغذاء.

اعتماد المالية العامة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل الإنفاق الحكومي يتذبذب تبعا لتقلبات أسعار النفط، وينعكس ذلك على حجم الطلب الكلي.

وعليه، فإن التضخم في العراق يغلب عليه طابع التضخم المستورد والتضخم الناتج عن تغيرات سعر الصرف، أكثر من كونه تضخما ناتجا عن زيادة الطلب المحلي أو ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي.

وفيما يلي الرسم البياني الذي يوضح تطور معدل التضخم السنوي في العراق خلال المدة (٢٠١٥ – ٢٠٢٤):

ويتضح من الرسم البياني أن معدل التضخم خلال هذه المرحلة تراوح بين انكماش طفيف بلغ (-٠,٢ ٪) وأعلى معدل تضخم بلغ (٦,٠٧) في عام (٢٠٢١) ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى تخفيض قيمة الدينار العراقي، فضلا عن تداعيات جائحة كورونا والارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة.

وبوجه عام، تشير البيانات الرسمية إلى أن معدلات التضخم في العراق خلال المدة (٢٠١٥ – ٢٠٢٤) تراوحت بين (٠,١٨ ٪) و(٦,٠٧ ٪)، وهي معدلات تبدو منخفضة نسبيا، بل تقترب في بعض السنوات من المعدلات المسجلة في الاقتصاديات المتقدمة.

غير أن هذا يثير تساؤلا جوهريا: هل تعكس هذه المعدلات حقيقة الواقع الاقتصادي والمعيشي في العراق، في ظل اقتصاد يعاني ضعفا في الإنتاج المحلي، واعتمادا كبيرا على الاستيراد، وارتفاع مستويات الفساد وتقلبات سعر الصرف، وضعف الخدمات العامة؟ وهو التساؤل الذي ستتناوله الدراسة في المبحث اللاحق عند مناقشة الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت (المعيشي).

٥تقييم معدلات التضخم في العراق :

لا يوجد معيار دولي ملزم يحدد بصورة قاطعة متى يكون التضخم مقبولا أو مرتفعا، إلا أن الأدبيات الاقتصادية والبنوك المركزية

تعتمد نطاقات تقريبية لتقييم مستويات التضخم، ويبين الجدول رقم (٢) تصنيف معدلات التضخم والتقييم الاقتصادي لكل مستوى.

جدول رقم (٢)

معدل التضخمالتقييم الاقتصادي
أقل من صفر ٪انكماش وقد يكون ضارا إذا استمر
من صفر – ٢ ٪تضخم منخفض ومستقر ويعد مثاليا في الاقتصاديات المتقدمة
من ٢ – ٣ ٪المعدل المستهدف لدى البنوك المركزية ويشجع على الاستثمار والاستهلاك
من ٣ – ٥ ٪تضخم متوسط ولا يمثل خطرا إذا كان مؤقتا
من ٥ – ١٠ ٪تضخم مرتفع يبدأ بالتأثير في الدخول الحقيقية ويستدعي تدخل السلطات النقدية
من ١٠ – ٢٠ ٪تضخم مرتفع جدا بسبب اضطرابات اقتصادية ضخمة
من أكثر من ٢٠ ٪تضخم جامح ويؤدي إلى تآكل سريع للقوة الشرائية
أكثر من ٥٠ ٪تضخم مفرط وهو حالة استثنائية شهدتها دول مثل ألمانيا إبان الحرب العالمية الأولى والثانية وفنزويلا

وتستهدف معظم البنوك المركزية في العالم معدل تضخم يقارب (٢ ٪) سنويا، لكونه يحقق توازنا بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو الاقتصادي، كما يمنح السياسة النقدية هامشا مناسبا للتعامل مع الصدمات الاقتصادية.

فعند تطبيق هذه المعايير على معدلات التضخم في العراق خلال السنوات العشر محل الدراسة، يمكن تقييمها وفق ما يوضحه الجدول رقم (٣).

جدول رقم (٣)

 ينبغي الإشارة إلى أن المستوى المقبول للتضخم يختلف باختلاف طبيعة الاقتصاد، ففي الاقتصاديات المتقدمة يُعد معدل (٢ ٪) هدفا مناسبا.

السنةالتضخمالتقييم
٢٠١٥١,٣٩ ٪منخفض ومستقر
٢٠١٦٠,٥٦ ٪منخفض جدا
٢٠١٧٠,١٨ ٪قريب من الاستقرار السعري
٢٠١٨٠,٣٧ ٪منخفض
٢٠١٩٠,٢ ٪انكماش طفيف
٢٠٢٠٠,٥٧ ٪منخفض
٢٠٢١٦,٠٧ ٪مرتفع
٢٠٢٢٤,٩٩ ٪متوسط يميل إلى الارتفاع
٢٠٢٣٤,٣٦ ٪متوسط يميل إلى الارتفاع
٢٠٢٤نحو ٣ ٪ضمن الحدود المقبولة

في حين قد ينظر في الاقتصاديات النامية إلى معدل يتراوح بين (٣٪ – ٥٪) على أنه مقبول نسبيا، بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية، والاعتماد على الاستيراد، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي.

وهذا يقودنا أن نسأل لماذا التضخم ليس أعلى رغم هشاشة الاقتصاد؟ بالإضافة إلى ضعف الصناعة والزراعة والاعتماد على النفط، هناك أيضا عوامل تكبح التضخم فيها ربط الدينار بالدولار لأن البنك المركزي العراقي يدير سعر صرف شبه ثابت وهذا يمنع قفزات سعرية كبيرة، وبما أن الاقتصاد الاستهلاكي المستورد لأن العراق يستورد أغلب الغذاء والسلع وبهذا تكون الأسعار مرتبطة بالأسواق العالمية أكثر من الإنتاج المحلي بالإضافة إلى ضعف الطلب الداخلي بسبب البطالة المرتفعة والدخل الحقيقي المحدود وهذا ما يقلل “ضغط الطلب” الذي يرفع التضخم عادة.

خامسا: مدى انطباق نظريات التضخم على الاقتصاد العراقي .

بعد استعراض أهم النظريات الاقتصادية المفسرة للتضخم واستعراض واقع التضخم في العراق، يثار تساؤل مهم حول مدى انطباقها على واقع الاقتصاد العراقي، وهل يمكن تفسير التضخم في العراق من خلال إحدى هذه النظريات بصورة منفردة ؟

أن الإجابة العلمية تشير إلى أن التضخم في العراق لا يخضع لتفسير نظرية واحدة، وإنما يمثل حالة مركبة تتداخل فيها عوامل سحب الطلب ودفع الكلفة والعوامل النقدية – فضلا عن عوامل هيكلية وسياسية وأمنية تميز الاقتصاد العراقي عن الاقتصاديات الإنتاجية .

فمن ناحية نظرية “سحب الطلب” يمكن ملاحظة وجود زيادة الطلب الكلي نتيجة التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي، وارتفاع فاتورة الرواتب والأجور، وزيادة التحويلات النقدية والتوسع في السيولة داخل الاقتصاد، إلا أن الطلب يتركز على السلع المستوردة بسبب ضعف الإنتاج المحلي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار دون أن يقابله توسع في العرض المحلي.

أما نظرية دفع الكلفه، فإنها تنطبق بدرجة كبيرة أيضا، إذ يعتمد العراق بصورة واسعة على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع والمواد الأولية، مما يجعل الأسعار المحلية تتأثر بارتفاع أسعار السلع العالمية، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، فضلا عن ارتفاع تكاليف الطاقة، والفساد الإداري والابتزاز، وضعف البنية التحتية، وتعدد الرسوم غير الرسمية، وكلها عوامل تزيد من تكلفة الإنتاج والتوزيع.

وفيما يتعلق بالنظرية النقدية، فإن جانبا منها ينطبق على الاقتصاد العراقي، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعا في الكتلة النقدية والإصدار النقدي، الأمر الذي أدى إلى زيادة السيولة المتداولة، والتي بلغت حسب البيانات الحديثة أن عرض النقد في العراق وصل تقريبا إلى (١٧٤) تريليون دينار عراقي في عام (٢٠٢٦)، وهذا يعني كمية كبيرة من الدينار في السوق ولا يقابلها سلع وخدمات مما يؤدي إلى ضغوطات تضخمية. إلا أن تفسير التضخم في العراق بالعرض النقدي وحده يبقى غير كافٍ، لأن البنك المركزي يعتمد في جزء كبير من سياسته على إيرادات النفط ونافذة بيع العملة للحفاظ على استقرار سعر الصرف، كما أن جزءا مهما من السيولة يذهب إلى تمويل الاستيراد بدلا من دعم الإنتاج المحلي.

ومن جهة أخرى، يتميز الاقتصاد العراقي بوجود عوامل لا تعالجها النظريات التقليدية بصورة مباشرة، من أهمها ضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد شبه الكامل على النفط، واتساع الاستيراد والفساد المالي والإداري، وتهريب العملة، وغسيل الأموال، والاضطرابات الأمنية والسياسية، إضافة إلى هشاشة المؤسسات الاقتصادية، وهي عوامل تجعل التضخم في العراق أكثر تعقيدا من أن يفسر من خلال نظرية واحدة.

وعليه يمكن القول أن التضخم في العراق هو تضخم هيكلي مركب، تشترك في تكوينه عوامل نقدية وعوامل مرتبطة بالطلب وعوامل مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلا عن الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، الأمر الذي يستلزم معالجة شاملة تتجاوز السياسات النقدية لتشمل إصلاح هيكل الاقتصاد وتنشيط الإنتاج المحلي، ومكافحة الفساد وتحسين كفاءة الإنفاق العام.

اترك تعليقًا

عرض
Drag