Skip links

الإعلام في زمن التلميع: غياب المساءلة أم تواطؤ الشاشة؟

هدى زوين

عندما نتحدث عن الإعلام بمعناه الحقيقي، فإننا نتحدث عن مسؤولية كاملة في مواجهة مجتمع واعٍ، مجتمع يمتلك القدرة على التمييز، ويدرك جيدًا ما يُقدَّم له وما يُراد تمريره عليه. فالإعلام ليس منصة للعرض العابر، ولا مساحة للارتجال، بل هو فعل تأثير، وبناء وعي، وصياغة رأي عام.

في الآونة الأخيرة، شهدنا انحرافًا مقلقًا في بعض القنوات، حيث باتت الشاشات تستقبل ما يُفترض أنهم مقدمو برامج، أو بالأحرى “مقدّمات مشهد” يقتصر دورهن على تلميع الضيف، أو تقديمه بصيغ لا تليق لا بالمحتوى ولا بالمهنة. لغة سطحية، مبالغة فارغة، وأداء أقرب إلى الاستعراض منه إلى العمل الإعلامي الرصين. وهذا السلوك لا يسيء فقط إلى صورة البرنامج، بل يضرب جوهر الإعلام في الصميم.

الإعلامي الحقيقي لا يُقاس بمظهره، ولا بعدد متابعيه، بل بقدرته على إدارة الحوار، واحترام عقل المشاهد، وطرح الأسئلة التي تفتح النقاش لا التي تغلقه. أما تحويل المنصات الإعلامية إلى مساحات مجاملة أو ترويج شخصي، فهو تفريغ خطير لدور الإعلام من مضمونه المهني والأخلاقي.

المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في اختيار غير المؤهلين، بل في تغييب المعايير. أين الكفاءة؟ أين الثقافة العامة؟ أين أخلاقيات المهنة؟ حين تغيب هذه الأسس، يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى سلعة، ومن رسالة إلى مشهد عابر لا يترك أثرًا سوى الاستهلاك السريع.

ولعلّ أكثر ما يختصر هذا الانحدار هو ما يُسمّى اليوم “مقدمات البرامج”. كلمات طويلة بلا معنى، مديح مبالغ فيه، توصيفات إنشائية لا تضيف معرفة ولا تفتح سؤالًا. مقدمات تُقال لملء الهواء لا لتهيئة العقل، تُصاغ لتلميع الضيف لا لتعريفه، ولصناعة هالة زائفة بدل تقديم حقيقة.

هذه المقدمات الفارغة ليست خطأ لغويًا فقط، بل خللًا مهنيًا وأخلاقيًا. فهي تضع المقدم في موقع المروّج لا الإعلامي، وتحوّل الحوار إلى مشهد مُعدّ سلفًا، منزوع الدسم، محكوم بسقف منخفض من الجرأة. وحين يبدأ البرنامج بالتضليل، لا يمكن أن ينتهي بالحقيقة.

إن المجتمعات لا تنهض بإعلام يستخف بعقولها، ولا تحترم شاشات تفرغ الكلمة من معناها. فالإعلام، حين يفقد مسؤوليته، يصبح جزءًا من المشكلة لا أداة للحل. والمسؤولية هنا لا تقع على المقدم وحده، بل على المؤسسات التي تفتح الأبواب دون ضوابط، وتقدّم الشكل على الجوهر.

الإعلام ليس مساحة للزينة، بل مساحة للمساءلة. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، لا يحق له أن يقف أمام الكاميرا باسم الجمهور. الإعلام الحقيقي لا يُهادن، ولا يُجمّل الواقع، ولا يستبدل الجرأة باللباقة المصطنعة. إنه يقف في صف الحقيقة، حتى حين تكون مكلفة. أما حين تتحول الكاميرا إلى مرآة مريحة للسلطة أو للنفوذ أو للشهرة، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل ما نراه غياب مساءلة… أم تواطؤ شاشة؟

اترك تعليقًا

عرض
Drag