الأزمة المالية في العراق… بين التدقيق والتحقيق..
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
ارتفاع سعر الدولار ليس بديلاً عن الإصلاح المالي، وأزمة الرواتب لا تُحلّ بتحميل المواطن كلفة سوء الإدارة.
منذ عام 2004، دخلت إلى العراق إيرادات مالية ضخمة تزيد عن 2 ترليون دولار، معظمها من صادرات النفط، إلى جانب إيرادات أخرى وقروض وتمويلات. ومع ذلك، ما زالت الدولة تواجه تحديات تتعلق بتمويل الموازنة، وتوفير فرص العمل، وتنويع الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وضمان استقرار سعر الصرف.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
كيف يواجه العراق أزمة مالية بعد أكثر من عقدين من الإيرادات النفطية الكبيرة؟
وأين ذهبت الأموال التي كان يفترض أن تؤسس لاقتصاد منتج ودولة قادرة على تمويل نفقاتها؟
إن المطالبة بتدقيق الموازنات العامة منذ عام 2004 ليست ترفاً سياسياً أو اقتصادياً، بل ضرورة وطنية لكشف مسارات الإنفاق، وتحديد مواطن الهدر، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد أو تهريب الأموال.
أولاً: أكثر من تريليوني دولار… أين الأثر الاقتصادي؟
تجاوزت الإيرادات النفطية العراقية، على مدى 22 سنة ، مئات المليارات من الدولارات، فيما أنفقت الحكومات المتعاقبة مبالغ ضخمة عبر الموازنات الاتحادية، شملت الرواتب والتقاعد والدعم والاستثمار والمشاريع والتسليح والنفقات التشغيلية.
وقد تجاوزت الموارد والتدفقات المالية المتراكمة التي يتداولها بعض المراقبين تقديرات التريليوني دولار منذ عام 2004. لكن الدقة تقتضي التمييز بين الإيرادات الحكومية الفعلية، وإجمالي الإنفاق العام، والقروض، والاحتياطيات، والتدفقات المالية الأخرى؛ فهي حسابات مختلفة لا يجوز جمعها في رقم واحد من دون توثيق.
المطلوب هو إعداد كشف مالي تاريخي موحد يبيّن، سنةً بسنة:
الإيرادات النفطية وغير النفطية الفعلية.
الإنفاق الفعلي، لا المبالغ المخصصة في الموازنات فقط.
الرواتب والتقاعد والدعم والنفقات التشغيلية.
الإنفاق الاستثماري ونسب إنجاز المشاريع.
القروض والديون والالتزامات المالية.
الأموال المستردة، والأصول العامة المبيعة أو المتوقفة، والخسائر المثبتة بالتدقيق.
فالعبرة ليست بحجم الأموال التي دخلت الخزينة وحده، بل بما تحوّل منها إلى كهرباء وماء وطرق ومصانع ومدارس ومستشفيات واقتصاد قادر على الإنتاج.
إذا كانت هذه الموارد قد أُنفقت فعلاً، فمن حق العراقيين معرفة نتائجها. وإذا ضاع جزء منها بسبب الهدر أو الفساد أو المشاريع المتلكئة، فمن واجب الدولة كشف المسؤوليات ومحاسبة المتسببين وفق القانون.
ثانياً: هل ارتفاع الدولار سببه العجز عن دفع الرواتب؟
إن القول إن ارتفاع سعر الدولار ضرورة بسبب عدم قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين يحتاج إلى دليل مالي واضح، ولا يكفي أن يرد على لسان مسؤول لتبرير تغيير سعر الصرف أو تحميل المواطنين كلفة إضافية.
فالرواتب التزام مالي كبير ومتكرر، ويعتمد تمويلها على الإيرادات الفعلية، والإنفاق العام، والسياسة النقدية، والقدرة على إدارة السيولة والاحتياطيات. أما سعر الصرف، فيتأثر أيضاً بالطلب على العملة الأجنبية، وآليات تمويل التجارة، والفرق بين السعر الرسمي والموازي، والقيود المصرفية، والتحويلات غير المشروعة، وتوقعات السوق.
لذلك، لا يصح اعتبار رفع سعر الدولار علاجاً تلقائياً لأزمة الرواتب. فقد يرفع القيمة الدينارية لبعض الإيرادات النفطية، لكنه يرفع في المقابل كلفة الاستيراد، ويضغط على القوة الشرائية للمواطنين وبحجم الطبقة الوسطى، ويزيد كلفة الغذاء والدواء والمواد الأولية والمشاريع الحكومية التي تعتمد على السلع المستوردة.
والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه وزارة المالية والبنك المركزي هو: هل المشكلة نقص حقيقي في الإيرادات، أم تضخم في النفقات والالتزامات، أم ضعف في إدارة التدفقات المالية، أم مزيج من هذه العوامل و على الحكومة أن تفسر تضخيم الارقام في موازنة 2027؟
لا يمكن حسم ذلك بالشعارات؛ بل بنشر بيانات السيولة الشهرية، والإيرادات المحققة، والإنفاق الفعلي، والالتزامات المتوقعة، وأثر كل سيناريو لسعر الصرف في الموازنة ومعيشة المواطنين.
و للحديث بقية
