Skip links

المعادن الاستراتيجية والحرب الباردةالجديدة بين القوى الكبرى

الحلقة الرابعة: حرب الرقائق الإلكترونية ونفوذ الشركات عابرة القارات

الاستاذ الدكتور محمد طاقة

تحليل سلاسل الإمداد الحرجة

يتضح من الجدول الخاص بالمعادن الحرجة أن أبرز الدول المستوردة هي الصين والولايات المتحدة؛ نظرًا لأن إنتاجهما المحلي لا يكفي لتغطية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية الرقمية. وتبرز الصين كأكثر الدول نفوذاً، ليس فقط في الاستخراج بل في عمليات التكرير والمعالجة الصناعية (وهي المرحلة الأكثر أهمية في سلاسل القيمة). في المقابل، تسعى أمريكا والدول الأوروبية واليابان لتقليل الاعتماد على الصين عبر تنويع المصادر والاستثمار في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وإنشاء احتياطيات استراتيجية، مما يجعل المعادن الحرجة بؤرة صراع يفوق أهمية النفط والغاز مستقبلاً.

خامساً: الرقائق الإلكترونية وصراع الهيمنة

في خضم الصراع المتصاعد بين القوى الكبرى، وعلى وجه الخصوص بين الصين ومحورها من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة أخرى، برزت الرقائق المعدنية الإلكترونية الذكية بوصفها أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية في العالم المعاصر. فقد انتقل التنافس الدولي من ساحات المواجهة العسكرية التقليدية إلى ميادين التكنولوجيا المتقدمة والسيطرة على صناعة أشباه الموصلات.

  • ما هي الرقائق الإلكترونية؟ هي شرائح دقيقة للغاية تُصنع من مادة السيليكون، وتضم في داخلها مليارات الترانزستورات والمكونات المجهرية. تتمثل وظيفتها في معالجة البيانات وتشغيل الأنظمة الذكية، وتُعد بمثابة ((العقل المحرك)) للهواتف، الحواسيب، السيارات، الأقمار الصناعية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأسلحة المتطورة. وتدمج بعض هذه الرقائق مع مواد (بوليميرية) أو إلكترونية متقدمة لمنحها القدرة على الاستجابة للمؤثرات الخارجية كالمجالات المغناطيسية والضغط. ورغم وفرة السيليكون في الرمال، إلا أن تصنيعها يعد من أعقد الصناعات في العالم ويحتاج استثمارات هائلة وخبرات نادرة.

التوزيع العالمي لصناعة الرقائق الإلكترونية

تتركز صناعة الرقائق عالمياً في شرق آسيا والولايات المتحدة، حيث تسيطر دول شرق آسيا على نحو (75٪) من إجمالي الإنتاج العالمي. ومن أبرز الدول المصنعة:

  1. تايوان: تتصدر العالم بإنتاج يتجاوز (50٪)، وتُعد موطناً لشركة (TSMC) التي تهيمن على صناعة الرقائق المتقدمة، وتزود أكثر من (90٪) من السوق العالمية للرقائق الدقيقة عالية التطور.
  2. كوريا الجنوبية: تحتل المرتبة الثانية بحوالي (20٪) من الإنتاج العالمي، بفضل شركات عملاقة مثل (Samsung و LG).
  3. الولايات المتحدة: تمتلك نحو (12٪) من الإنتاج العالمي، لكنها تُعد الرائدة عالمياً في مجالات التصميم والتطوير والابتكار عبر شركات كبرى مثل (Intel و Apple).
  4. الصين: قوة صناعية صاعدة تُنتج أكثر من (7٪) من السوق العالمية، وتسعى بقوة لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.
  5. اليابان: تساهم بنحو (5٪) من الإنتاج العالمي عبر شركات مثل (Toshiba و Sony).

لقد تحولت الرقائق الإلكترونية إلى سلاح جيوسياسي؛ فالسيطرة على إنتاجها تعني التحكم بمستقبل الصناعات العسكرية والاقتصادية. ولهذا دخلت واشنطن وبكين في سباق محموم لفرض القيود التجارية ومنع تصدير التكنولوجيا. واكتسبت تايوان أهمية استراتيجية استثنائية تجعلها محور التوترات الدولية؛ لأن أي اضطراب فيها يشل الصناعة العالمية. وكمؤشر اقتصادي، بلغت مبيعات أشباه الموصلات عام (2024) نحو (627) مليار دولار نتيجة طفرة الذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع وصولها عام (2025) إلى (697) chemical مليار دولار.

سادساً: دور الشركات العابرة للقارات في السيطرة على الثروات المعدنية

تلعب الشركات العابرة للقارات دوراً محورياً ومهيمناً في السيطرة على الثروات المعدنية العالمية، من خلال احتكارها لعمليات الاستكشاف والتنقيب والاستخراج، فضلاً عن تحكمها بسلاسل الإمداد والتسويق والتصنيع المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية. وقد ساهمت الإمكانيات المالية والتكنولوجية الضخمة التي تمتلكها هذه الشركات في تعزيز نفوذها داخل الدول النامية الغنية بالموارد الطبيعية.

وغالباً ما تستغل هذه الشركات ضعف البنية التنظيمية والقانونية في العديد من البلدان النامية، فتتمكن من الحصول على امتيازات واسعة وعقود طويلة الأجل بشروط غير متوازنة، تمنحها حقوقاً حصرية في استخراج المعادن وتسويقها، مقابل عوائد محدودة للدول المضيفة، ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى حرمان المجتمعات المحلية من الاستفادة العادلة من ثرواتها الطبيعية، فضلاً عن تفاقم المشكلات البيئية والاجتماعية الناتجة عن أنشطة التعدين المكثفة.

وفي ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، وسعت هذه الشركات استثماراتها الهيكلية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا لتتحول إلى كيانات متكاملة تجمع بين التعدين والتكرير والتصنيع. كما تلجأ بعض هذه الشركات إلى استغلال الثغرات الضريبية والنظام المالي العالمي لتحويل أرباحها إلى الملاذات الضريبية وتقليل الضرائب المستحقة عليها، وتشير تقديرات دولية إلى أن الدول النامية تخسر سنوياً مليارات الدولارات نتيجة التهرب الضريبي وتحويل الأرباح من قبل هذه الكيانات العملاقة.

اترك تعليقًا

عرض
Drag