جدران تروي أسرار ثورة العشرين والأسرى الانكليز في النجف
خان الشيلان…
في قلب مدينة النجف القديمة، يقف متحف خان الشيلان شاهداً على صفحات مهمة من تاريخ المدينة وثورة العشرين عام 1920، محتفظاً بين جدرانه على كتابات ورسومات خلّفها جنود بريطانيون وهنود وقعوا في الأسر خلال الثورة، وثّقوا فيها أيام احتجازهم، وعبّروا عن حنينهم إلى الوطن وعائلاتهم، في مشاهد تختزل جانباً إنسانياً من مرحلة مفصلية في تاريخ العراق.
ولا تقتصر أهمية الخان على ارتباطه بأحداث الثورة، بل تمتد إلى قيمته المعمارية والتراثية، وما يحمله من شواهد مادية توثق التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها النجف، منذ استخدامه لإيواء الزائرين وصولاً إلى تحوله إلى مكان لاحتجاز الأسرى، ثم متحف يستعيد ذاكرة تلك المرحلة.
وقالت مديرة خان الشيلان، خلود عبد الرحمن، لوكالة شفق نيوز، إن الخان يُعد من المعالم التاريخية والتراثية المهمة في مدينة النجف، لما يختزنه من شواهد توثق مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، ولا سيما الأحداث المرتبطة بثورة العشرين وما شهدته من مواجهة بين الثوار والقوات البريطانية.
وأضافت عبد الرحمن أن الخان مرّ بمراحل تاريخية متعددة، إذ استُخدم لأغراض إدارية وعسكرية، قبل أن يرتبط اسمه بأحداث الثورة وأسر الجنود البريطانيين، مبينة أن الرسومات والكتابات التي خلّفها الأسرى على جدرانه تمثل جانباً إنسانياً مهماً من تاريخ المكان.
وأوضحت أن تلك الشواهد تضمنت رسومات تعبّر عن الحنين إلى الوطن، وصوراً للزوجات والصديقات، فضلاً عن أسماء الوحدات العسكرية والمنازل، وهي تفاصيل تمنح الآثار الموجودة في الخان قيمة تتجاوز كونها مجرد نقوش على الجدران.
رسائل الأسرى على الجدران
من جانبه، قال الباحث التاريخي الدكتور علي عباس التميمي لوكالة شفق نيوز، إن خان الشيلان يُعد من المعالم الأثرية البارزة في النجف، مشيراً إلى أن بناءه يعود إلى عام 1895، وكان الهدف منه إيواء الزائرين الوافدين إلى المدينة لزيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب، قبل أن يتحول إلى مقر للحكومة العثمانية المحلية.

وأضاف التميمي أن الخان دخل صفحات التاريخ مع اندلاع ثورة العشرين، بعدما أُودع فيه عدد من الضباط والجنود البريطانيين والهنود الذين وقعوا في الأسر عقب معركة الرارنجية، التي شهدت هزيمة قوة عسكرية بريطانية أمام الثوار.
وأوضح التميمي أن عدد الأسرى الذين احتجزوا في الخان وصل إلى 167 شخصاً، بينهم ضابطان، مشيراً إلى أن مكاتب المرجعيات الدينية في النجف آنذاك شكّلت لجنة خاصة لرعاية الأسرى.
وبيّن التميمي أن الأسرى كانوا يتلقون وجبات غذائية تضمنت الخبز والتمر والخيار والسكر والشاي والتبغ والكبريت، فضلاً عن توفير ظروف الرسائل لتمكينهم من مراسلة عائلاتهم، لافتاً إلى أن مدة احتجازهم في الخان استمرت نحو أربعة أشهر، قبل تسليمهم إلى ممثل الحكومة البريطانية.
وأكد أن جدران الخان لا تزال تحتفظ بكتابات ورسومات تركها الأسرى خلال فترة احتجازهم، بينها عبارات تعبّر عن الأمل والصبر، مثل “سننال الحياة بمعنى الحرية” و”الصبر فضيلة” فضلاً عن أسماء الأسرى وأرقام ورموز عسكرية ورسوم تخطيطية.

وأضاف أن الرسومات تضمنت صوراً لجنود وحراسات عسكرية، وجندي هندي من السيخ بلحيته الطويلة، فضلاً عن رسم يرمز إلى مدينة النجف ومرقد الإمام علي، وآخر لطائرة تحلق في سماء المدينة، وتحتها شخص يحمل بندقية ويطلق النار باتجاهها، إلى جانب صورة لضابط بريطاني يرتدي قبعته العسكرية.
ولفت التميمي إلى أن أحد الأسرى ترك رسالة عاطفية إلى خطيبته، عبّر فيها عن قلقه من مصيره المجهول وخشيته من ألا يجمعهما اللقاء مجدداً، في شهادة إنسانية تعكس مشاعر الأسرى خلال تلك الفترة.
متحف الثورة
بدوره، قال الباحث التاريخي الدكتور حسن الحكيم إن خان الشيلان شهد تحولات تاريخية متعاقبة، بدأت باستخدامه لإيواء الزائرين وإسكانهم وإطعامهم، قبل أن يتحول إلى ثكنة عسكرية تابعة للحكومة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

وأضاف الحكيم أن النجفيين استغلوا تراجع السلطة العثمانية عقب هزيمتها في معركة الشعيبة بالبصرة، وسيطروا على الخان وأقاموا حكومة أهلية، استمرت بحسب روايته من عام 1915 حتى عام 1917، قبل أن يفرض البريطانيون سيطرتهم على العراق.
وتابع أن دخول القوات البريطانية إلى النجف أدى إلى سيطرتها على الخان وإنهاء الحكومة الأهلية، مشيراً إلى أن المدينة شهدت عام 1918 حركة ثورية ضد البريطانيين، قُتل خلالها الحاكم البريطاني الكابتن مارشال، الأمر الذي دفع القوات البريطانية إلى تطويق المدينة لمدة 40 يوماً، قبل إعادة فرض سيطرتها عليها.
وأوضح الحكيم أن أهمية الخان التاريخية تعززت مع احتفاظ جدرانه بكتابات الأسرى ورسوماتهم ومذكراتهم، مبيناً أنه عمل على حماية تلك الرسومات من التلف باستخدام الأكياس البلاستيكية وطلائها بمادة الجص، في محاولة للحفاظ عليها من الضياع، قبل أن تتولى الجهات المختصة أعمال تأهيل المبنى وصيانة أجزائه.
الخصائص العمرانية
وعن الخصائص المعمارية للخان، قالت مديرته خلود عبد الرحمن إن المبنى أُقيم على أرض تبلغ مساحتها نحو 1500 متر مربع، ويتألف من سرداب وطابقين علويين، يضمان غرفاً عديدة ومتداخلة، تتقدمها أواوين مقوسة شُيّدت بأسلوب معماري تقليدي.
وأضافت أن جدران الخان تتميز بالنقوش والزخارف الإسلامية، فيما بُنيت سقوفه على هيئة أقواس باستخدام الطابوق والآجر، بما يعكس ملامح العمارة التقليدية التي تميز عدداً من المباني التراثية في المدينة القديمة.
وأكدت عبد الرحمن أن الخان تعرض خلال مراحل لاحقة للإهمال والتضرر، وطالت أعمال الهدم أجزاء منه، ما أثار مخاوف بشأن مصير الرسومات والشواهد التاريخية الموجودة فيه، قبل أن تتولى الهيئة العامة للآثار والتراث أعمال تأهيله وصيانة أجزائه.
ويشكل متحف خان الشيلان اليوم مساحة تلتقي فيها ذاكرة النجف العمرانية بتاريخ العراق الحديث؛ فبين أقواسه وغرفه، لا تزال آثار الأسرى تستحضر أياماً من ثورة العشرين، فيما تروي جدرانه حكاية مكان انتقل من الضيافة إلى الإدارة العسكرية، ثم أصبح شاهداً على أحداث الثورة وذاكرةً تستحق الحماية والتوثيق للأجيال المقبلة.
