حروب المنطقة تعيد تشكيل النظام العالمي
خاص من 5 عواصم…
شفق نيوز- واشنطن/ طهران/ أنقرة/ القاهرة/ عمان
يتفق خمسة محللين وخبراء من الولايات المتحدة وإيران وتركيا ومصر الأردن على أن تصاعد الصراعات الدولية يضع العالم أمام مرحلة شديدة الاضطراب، تقترن فيها المواجهات العسكرية بالمنافسة الاقتصادية ومساعي إعادة تشكيل التحالفات، وسط مخاوف من اتساع رقعة النزاعات وتداعياتها على الشرق الأوسط الذي يقع في قلب هذه التحولات.
وبينما يرى بعضهم أن القوى الكبرى تتجه نحو استنزاف متبادل قد يغيّر موازين النفوذ العالمي، يحذر آخرون من أن استمرار المواجهات يهدد أمن المنطقة واقتصاداتها، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات الاستراتيجية والقدرة على بناء تحالفات مرنة، فيما يبقى مسار التسوية السياسية عاملاً حاسماً في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
تداعيات اقتصادية عالمية
تتجاوز التداعيات الاقتصادية للصراعات حدود الشرق الأوسط، وفق المتحدث العسكري السابق باسم التحالف الدولي، مايلز كاغينز، الذي يقول إن الحرب والأزمة الاقتصادية في جنوب غرب آسيا تؤثران في العالم بأسره.
ويوضح كاغينز لوكالة شفق نيوز، أن ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة والهيليوم في الولايات المتحدة ينعكس على اقتصاداتها، ويمتد تأثيره إلى أوروبا وآسيا، في مؤشر على ترابط الأسواق العالمية ومدى تأثرها بالاضطرابات الإقليمية.
ويرى أن إنهاء الحرب سريعاً سيكون الخيار الأفضل لتقليل الخسائر الاقتصادية والإنسانية، داعياً قادة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى العمل من أجل التوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية.
ويشير إلى أن أي اتفاق محتمل قد يتضمن تخفيف العقوبات المفروضة على إيران وفق شروط متفق عليها، بما يسمح بإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، ويسهم في تخفيف معاناة الأفراد والعائلات المتضررة من الأزمة.
ومع ذلك، يلفت كاغينز إلى أن الحديث عن إمكان التوصل إلى اتفاق تكرر خلال الأشهر الماضية من دون أن تتضح مآلاته، ما يجعل إنهاء الحرب مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للتوصل إلى تفاهمات فعلية.
إعادة رسم المنطقة
وعلى المستوى الإقليمي، يربط الخبير في الشؤون الإيرانية، مهدي عزيزي، التحولات الجارية بالتطورات التي أعقبت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب مدمرة في قطاع غزة، ومواجهات في لبنان، وتغيرات سياسية في سوريا، فضلاً عن الهجمات التي استهدفت إيران.

ويقول عزيزي لوكالة شفق نيوز، إن هذه الأحداث تأتي في إطار مساعٍ لإعادة رسم خريطة المنطقة والعالمين العربي والإسلامي، معتبراً أن التطورات العسكرية لم تقتصر آثارها على الأطراف المنخرطة مباشرة في القتال، بل امتدت إلى طبيعة التوازنات الإقليمية ومستقبل التحالفات.
ويرى أن الخسائر التي تعرضت لها قيادات وفصائل مرتبطة بمحور المقاومة لا تعني بالضرورة نهاية هذا المحور، لأن المقاومة فكرة لا ترتبط بجغرافيا أو أشخاص بعينهم.
ويعتبر عزيزي أن صمود إيران في مواجهة الضغوط العسكرية الأميركية والإسرائيلية يمثل مؤشراً على تغيرات في معادلات القوة، متوقعاً أن تتعاظم أهمية الصين في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة، مع استمرار حضور إيران بوصفها قوة مؤثرة في المنطقة.
تحالفات وممرات استراتيجية
ولا تقتصر التحولات المحتملة على المواجهات العسكرية، إذ يرى المحلل السياسي التركي، جواد غوك، أن المنافسة الدولية تتجه بصورة متزايدة نحو إعادة ترتيب التحالفات والسيطرة على الممرات البحرية والطرق اللوجستية التي تربط مراكز الإنتاج والأسواق العالمية.

ويقول غوك لوكالة شفق نيوز، إن العالم يشهد تكتلات متعددة، من بينها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، مشيراً إلى أن الدول التي تحافظ على علاقات متنوعة ولا تحصر خياراتها في محور واحد قد تكون أكثر قدرة على تحقيق مكاسب في ظل التنافس الدولي.
ويستشهد بتركيا والبرازيل والهند ودول الخليج، معتبراً أن تنويع الشراكات يمنح هذه الدول هامشاً أوسع للمناورة، ويتيح لها الاستفادة من التحولات الجارية بدلاً من الارتهان لطرف دولي واحد.
ويضيف أن الممرات الاستراتيجية باتت عنصراً أساسياً في حسابات القوى الدولية، مشيراً إلى أهمية مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، فضلاً عن المشاريع التي تستهدف تعزيز الربط التجاري بين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، يبرز طريق التنمية العراقي بوصفه أحد المشاريع التي تكتسب أهمية جيوسياسية واقتصادية، نظراً إلى ما يستهدفه من ربط العراق بتركيا والأسواق الأوروبية عبر شبكة للنقل والخدمات اللوجستية.
ويعتقد غوك أن المرحلة المقبلة قد تشهد اتفاقيات جديدة وتعاوناً إقليمياً أوسع، في ظل سعي دول المنطقة إلى تنويع علاقاتها الدولية وتقليل اعتمادها على الشراكات التقليدية، غير أن اتجاه هذه التحالفات سيظل مرتبطاً بتطورات الصراع ومصالح الأطراف المعنية.
استنزاف القوى الكبرى
وفي قراءة متقاربة لطبيعة المرحلة، يرى أستاذ الفكر الصهيوني في جامعة القاهرة، أحمد فؤاد، أن ما يجري يتجاوز في حجمه حدود الحرب الباردة، لكنه لم يصل إلى مستوى حرب عالمية ثالثة معلنة، في ظل جبهات مشتعلة ومواجهات لم تحسم نتائجها بعد.

ويقول فؤاد لوكالة شفق نيوز، إن الصراعات الممتدة من أوكرانيا وروسيا إلى غرب أفريقيا وليبيا، مروراً بفلسطين ولبنان واليمن، تعكس تنافساً بين قوى تسعى إلى تعزيز مواقعها، وتواصل دعم الأطراف المتحالفة معها كلما تراجعت حدة المواجهات أو اختل ميزان القوى.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تتحملان أعباء عسكرية واقتصادية متزايدة، في حين تراقب الصين التطورات من دون الانخراط المباشر في المواجهات على النحو الذي تنخرط به القوى المتحاربة، معتبراً أن استمرار استنزاف المنافسين قد يفتح المجال أمام تحولات في موازين القوة العالمية.
ويستحضر فؤاد تجربة الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، حين عززت موقعها الدولي بعد دخولها الحرب، ويرى أن مآلات الصراعات الحالية قد تحمل تداعيات استراتيجية مشابهة، وإن كانت النتائج النهائية لا تزال مرتبطة بمسار المواجهات ومواقف القوى الكبرى.
كما يربط بين إخفاق الرهانات على حسم المواجهة مع إيران سريعاً، وبين احتمال بروز تداعيات سياسية تتجاوز ساحة القتال، داعياً الدول العربية إلى تنسيق مواقفها، خشية أن تتوصل القوى المتصارعة مستقبلاً إلى تفاهمات تخدم مصالحها على حساب دول المنطقة وثرواتها وممراتها الاستراتيجية.
صراعات عابرة للحدود
فيما يصف المحلل السياسي الأردني، عادل الأشرم، المرحلة الراهنة بأنها من أخطر المراحل التي مر بها العالم، في ظل تعدد بؤر الصراع وتعدد أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى المواجهات في الشرق الأوسط، فضلاً عن النزاعات في السودان وإثيوبيا ومحيطهما.
ويقول الأشرم لوكالة شفق نيوز، إن هذه الصراعات لم تعد محلية أو محصورة بأطرافها المباشرة، بل باتت تتداخل فيها مصالح قوى دولية وإقليمية، بما يجعل آثارها ممتدة إلى مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في مجالات الطاقة والتجارة وأسعار السلع الأساسية.
ويضيف أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ثم المواجهات في الخليج، أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والديزل والغاز والمواد الغذائية، الأمر الذي وضع اقتصادات عديدة أمام ضغوط متزايدة، حتى في الدول البعيدة جغرافياً عن ساحات القتال.
ويحذر الأشرم من أن تمسك الأطراف بأهدافها، ورفضها تقديم تنازلات، قد يدفعها إلى خيارات أكثر خطورة إذا شعرت بأن الهزيمة باتت وشيكة، خصوصاً مع وجود قوى نووية كبرى في معادلة الصراع. ويرى أن غياب الحلول الوسط يزيد مخاطر التصعيد، ويجعل مستقبل المواجهات صعب التوقع.
