Skip links

حرية التعبير مسؤولية دستورية

مشتاق الربيعي

ماذا يمكن أن يحدث في العراق إذا ضاقت مساحة حرية التعبير، وأصبحت الآراء عرضة للملاحقة بسبب الاختلاف في وجهات النظر؟ وهل يمكن أن نصل إلى مرحلة يشعر فيها المواطن بأن إبداء رأيه بات مصدر قلق له، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً بالدستور؟
إن حرية التعبير ليست امتيازاً تمنحه جهة وتحجبه أخرى، بل هي حق دستوري كفلته المادة (38) من الدستور العراقي لعام 2005، مع مراعاة النظام العام والآداب. ومن هنا، فإن أي تشريعات جديدة تتعلق بالنشر والتعبير ينبغي أن تنطلق من مبدأ حماية الحقوق والحريات، وتحقيق التوازن بين حرية الرأي والمسؤولية القانونية.
إن ما يثير القلق هو أن يجد المواطن نفسه مهدداً بالسجن أو بعقوبات قانونية بسبب منشور أو تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا ما جاءت التشريعات الجديدة بصياغات فضفاضة أو فرضت عقوبات لا تتناسب مع طبيعة الفعل المرتكب. فليس من الإنصاف أن يشعر المواطن بأن حريته قد تكون مهددة بسبب رأي عبّر عنه بصورة سلمية، ولا سيما عندما يكون ذلك في إطار النقد الموضوعي والهادف.
إننا نأمل ألا تقود التشريعات المقترحة إلى تضييق مساحة الحوار أو الحد من قدرة المواطنين والصحفيين على التعبير عن آرائهم وانتقاد أداء المؤسسات العامة بصورة مسؤولة؛ فالعراق الذي يتطلع أبناؤه إلى بناء دولة المؤسسات والقانون، يحتاج إلى بيئة تحترم الرأي الآخر، وتتيح معالجة الأخطاء من خلال الحوار والشفافية، لا من خلال تقييد الأصوات المختلفة.
ولكي لا ننسى، فإن من يحمل قلماً لا يحمل سلاحاً، ومن يعبّر عن رأيه لا ينبغي أن يُعامل بوصفه خصماً، ما دام ملتزماً بالنقد السلمي والمسؤول. فمتى نصل إلى ثقافة تحترم الرأي وتقبل الاختلاف، وتؤمن بأن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات، بعيداً عن التجريح والتخوين والعقوبات غير المتناسبة؟
لقد تجاوز العراقيون مراحل صعبة من تاريخهم، وهم يتطلعون إلى مستقبل تسوده الحرية والعدالة وسيادة القانون. ولذلك، فإن الحفاظ على المكتسبات الدستورية مسؤولية مشتركة تقع على عاتق السلطات والمجتمع، بعيداً عن أي ممارسات قد تعيد إلى الأذهان تجارب تقييد الحريات التي لا يرغب العراقيون في تكرارها.

ومهما اختلفت وجهات نظرنا، يبقى حب العراق والمصلحة الوطنية المشتركة جامعاً لنا. كما أن سياسة تكميم الأفواه لا تسهم في معالجة المشكلات بقدر ما تحدّ من فرص الحوار والوصول إلى الحلول؛ فالدول القوية لا تخشى النقد البنّاء، بل تستفيد منه في تصحيح المسارات وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، نؤكد أهمية التمييز بين النقد الهادف القائم على الوقائع والأدلة، وبين الإساءة والتشهير أو توظيف الخطاب العام لتصفية الخلافات الشخصية. فحرية التعبير تقترن بالمسؤولية، ولا ينبغي أن تكون غطاءً للاعتداء على حقوق الآخرين، كما لا ينبغي أن تتحول القوانين إلى وسيلة تحدّ من النقد المشروع أو تثني المواطنين عن ممارسة حقوقهم الدستورية.
وتثار تساؤلات بشأن الدعاوى التي تُقام على مواطنين بسبب ما ينشرونه أو يعبّرون عنه من آراء، الأمر الذي يستدعي النظر إلى هذه القضايا وفق ظروف كل حالة وأحكام القانون، مع ضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة، وعدم الخلط بين النقد المشروع والأفعال التي يجرّمها القانون.
إننا نؤمن بدولة مدنية ديمقراطية تقوم على احترام الدستور، وسيادة القانون، وصون الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة والتناسب في العقوبات. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى مراجعة أي تشريعات مقترحة تمس حرية التعبير، وإشراك المختصين في القانون والإعلام وحقوق الإنسان في صياغتها، بما يضمن حماية الأفراد من الإساءة، من دون الانتقاص من حرية التعبير أو تحويل منشور أو تعليق إلى سبب لعقوبة غير متناسبة.
ومن هذا المنبر، نهيب بقضائنا العراقي العادل أن ينظر بعين الأبوة والحكمة والإنصاف إلى أصحاب الأقلام والكلمة، وأن يميّز بين النقد الهادف والتجاوزات التي تستوجب المساءلة القانونية، بما يضمن حماية الحقوق والحريات وصون كرامة الجميع.
كما ندعو إلى إعادة النظر في أوضاع الكتّاب والصحفيين الذين أُوقفوا أو سُجنوا على خلفية ما عبّروا عنه في الصحف أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، والعمل على إطلاق سراحهم وفقاً للقانون، متى كانت الوقائع لا تتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي ولا تشكّل جريمة تستوجب العقوبة. فالكلمة، مهما اختلفنا معها، ينبغي أن تُواجَه بالحوار والحجة، لا أن تتحول إلى سبب لسلب الحرية بسبب نقد أو رأي.
إن الصحفي والكاتب حين يعبّر عن رأيه بمسؤولية، إنما يمارس دوراً في خدمة المجتمع، ويسهم في تشخيص التحديات وتصحيح المسارات. وإن العدالة التي نطمح إليها هي التي توازن بين تطبيق القانون وحماية حرية التعبير، وتمنح الكلمة المسؤولة مساحة من الإنصاف والحكمة.
إن بناء دولة مدنية ديمقراطية يبدأ من احترام الإنسان وحقه في إبداء رأيه، وترسيخ مبدأ أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن النقد الموضوعي ليس إساءة، بل مساهمة في تصحيح المسار. فالعراق بحاجة إلى مزيد من الحوار والانفتاح، لا إلى اتساع دائرة الخوف من الكلمة؛ لأن القلم الذي يكتب بمسؤولية يمكن أن يكون شريكاً في بناء الدولة، لا تهديداً لها.
فالعراق يتسع للجميع، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يكون سبباً للخصومة، بل فرصة للحوار. وحرية التعبير المسؤولة ليست تهديداً للدولة، وإنما إحدى ركائز قوتها واستقرارها.

اترك تعليقًا

عرض
Drag