Skip links

رئيس حزب الوفاق الوطني العراقي في حوار مع هاتف الثلج:

حــوارات

د. إياد علاوي

*عارضت حل الجيش العراقي ورفضت المحاصصة الطائفية وتمكنت من إطلاق سراح عدد من المعتقلين

*عزّ عليّ أن يأمر صدام حسين باغتيالي، لكنني تنازلت عن حقي الشخصي

أجرى الحوار: هاتف الثلج

تظل التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003 واحدة من أكثر التجارب تعقيداً في تاريخ العراق الحديث؛ فقد تداخلت فيها حسابات الداخل مع إرادات الخارج، وتقاطعت فيها طموحات بناء الدولة مع صراعات النفوذ والهوية والسلطة. وفي خضم هذه التحولات، برزت شخصيات سياسية حملت معها تجارب متناقضة وأسئلة لم تُحسم إجاباتها حتى اليوم، وكان الدكتور إياد علاوي، رئيس حزب الوفاق الوطني العراقي وأول رئيس للحكومة العراقية المؤقتة بعد سقوط النظام السابق، واحداً من أبرز وجوه تلك المرحلة.يحمل علاوي تجربة سياسية بدأت من داخل حزب البعث، ثم انتقلت إلى المعارضة، وصولاً إلى تولي مسؤوليات قيادية في العراق الجديد. وبين محطات هذه الرحلة، تتقاطع روايته الشخصية مع ملفات شديدة الحساسية، من محاولة اغتياله في لندن، وعلاقته بصدام حسين، إلى موقفه من حل الجيش العراقي والاجتثاث، واعتراضه على المحاصصة الطائفية، فضلاً عن مساعيه لإطلاق سراح عدد من المعتقلين والدفاع عن حقوقهم.

في هذا الحوار، يستعيد الدكتور إياد علاوي جوانب من تجربته السياسية، ويتحدث عن مواقف يقول إنها اتخذت دفاعاً عن سيادة العراق وكرامة العراقيين، كما يقدم رؤيته لإدارة الدولة واختيار القيادات السياسية والاقتصادية القادرة على النهوض بالبلاد. وهي شهادة سياسية تستحق القراءة والمناقشة في ضوء ما شهدته التجربة العراقية من تحولات، وما تركته من آثار عميقة في الدولة والمجتمع.

أولاً: محاولة الاغتيال والتنازل عن الحق الشخصي

هاتف الثلج: تحدثتم في مناسبات مختلفة عن علاقتكم السابقة بحزب البعث، وعن تعرضكم لمحاولة اغتيال ارتبطت بالنظام العراقي السابق. كيف تستعيدون تلك المرحلة، وما الذي حدث تحديداً؟

د. إياد علاوي: كنت بعثياً طوال حياتي، وعزّ عليّ أن يأمر زعيم الحزب الفعلي، صدام حسين، باغتيالي عام 1978، بعدما أصبحت علاقتي به سيئة.وأنا راقد في المستشفى، جاء من يخبرني باسم الشخص الذي حاول اغتيالي. كان من عشيرة الجبور، ويسكن في منطقة أبو غريب، وتبيّن أنه أحد عناصر جهاز المخابرات ويعمل في محطة المخابرات العراقية في تركيا.أطلعني مسؤول العلاقات في المخابرات على صورته، وسألني: “هل هذا هو الشخص الذي حاول قتلك؟”. فأجبته: “نعم”.ومع ذلك، تنازلت عن حقي الشخصي؛ لأنه كان إنساناً بسيطاً يعمل ضمن جهاز المخابرات. وفي عام 1979، ألقى بعض المعارضين للنظام العراقي القبض عليه في تركيا، إذ كانت مهمته اغتيال بعض المعارضين.

ثانياً: من المعارضة إلى المطالبة بالسيادة الكاملة

هاتف الثلج: كيف تصفون دوركم في المعارضة العراقية، ولا سيما في المرحلة التي سبقت سقوط النظام عام 2003 وما أعقبها؟

د. إياد علاوي: كنت جزءاً من معارضة عراقية واسعة ضمت عرباً وأكراداً وإسلاميين، وأديت دوراً مهماً فيها.وبعد مجيئنا إلى بغداد عام 2003، كنا نجتمع في فندق السدير، وكنت ألتقي مسعود بارزاني وجلال طالباني وعبد العزيز الحكيم وأحمد الجلبي. كانت اجتماعاتنا تتناول مستقبل العراق، وكنا نطالب بأن يتمتع بلدنا بالسيادة الكاملة.واقترحت أن يتوجه وفد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويطالب مجلس الأمن الدولي بمساندة العراقيين في تشكيل حكومة وطنية تتمتع بسيادة كاملة.وعندما جاء جاي غارنر لإدارة العراق، التقيته وطرحت عليه فكرة تشكيل حكومة عراقية. لكنه قال لي إن علينا أولاً أن نرى حجم نفوذنا وقوتنا، ثم نبحث فيما ستؤول إليه الأمور بعد تشكيل الحكومة.وكنت أول من عارض حل الجيش العراقي وقانون اجتثاث البعث، لأنني كنت أرى أن التعامل مع مؤسسات الدولة ينبغي ألا يؤدي إلى تدمير البلد وإضعاف قدرته على استعادة الاستقرار.

ثالثاً: حل الجيش والمحاصصة الطائفية

هاتف الثلج: ما الذي دفعكم إلى الاستمرار في العمل السياسي بعد عام 2003، رغم اعتراضاتكم على عدد من القرارات التي اتخذت في تلك المرحلة؟..

د. إياد علاوي: كنت في حيرة من أمري، لكنني رأيت أن الابتعاد عن السلطة ليس صحيحاً، خصوصاً مع تصاعد الطائفية السياسية التي أخذت تعصف بالبلاد. لذلك قررت الاستمرار في العمل السياسي، وتمكنت من إيقاف قرارات مهمة قبل صدورها.وفي إحدى زياراتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، استقبلتني موظفة من قسم المراسم في وزارة الخارجية الأمريكية، وأبلغتني أن موعداً قد حُدد لي في اليوم التالي للقاء وزير الدفاع.وعندما التقيته، سألني عن رأيي فيما حدث في العراق، فأجبته بالنص: “رأيي صفر على اليسار”.واتصلت بمديرة مكتبي في عمّان، وطلبت منها أن تتصل بالملك الحسين وتبلغه بأنني سأقف ضد الأمريكيين وأعمل ضد الاحتلال، بسبب الإجراءات التي اتخذوها، ولا سيما ما يتعلق بالجيش العراقي.وعندما كنت عضواً في مجلس الحكم، أيدني جلال طالباني ومسعود بارزاني وعبد العزيز الحكيم وأحمد الجلبي لتولي رئاسة اللجنة الأمنية في المجلس.وقال لي جاي غارنر إن اختياري لرئاسة هذه اللجنة سيساعد على التعاون في عدد من الأمور. لكنني رفضت حل الجيش العراقي.وأضاف أنه رشح شخصاً لتدريب جيش جديد، إلا أنني رفضت ذلك أيضاً.وخلال حديثي عن معركة تحرير الكويت، أشرت إلى أن الجيش العراقي قاتل الجيش الأمريكي بشراسة وكبّده خسائر، وقلت إن الأمريكيين يحملون ضغينة تجاهه بسبب تلك المواجهة.وفي لقاء آخر، تحدثت إلى القائم بالأعمال الأمريكي عن تجاوزات الاحتلال بحق العراقيين، وقلت إن حل الجيش كان من القرارات التي ألحقت ضرراً كبيراً بالبلاد.

رابعاً: الموقف من الاحتلال والمقاومة العراقية

هاتف الثلج: كيف تعاملتم مع الوجود الأمريكي في العراق، وما موقفكم من المقاومة العراقية بعد صدور القرارات المتعلقة بإدارة البلاد؟

د. إياد علاوي: اجتمعت ببعض قادة المقاومة العراقية بعد إعلان قانون احتلال العراق، ولم أجتمع بمن قرر هذا القانون.وعندما أعلنت أنني سأعمل مع المقاومة، اتصل بي مسؤول أمريكي كبير مستفسراً عن موقفي.فقلت له إن الأمريكيين انشغلوا بالبحث عمن هرّب زوجة صدام حسين، وعن ضياء جعفر وآخرين من مسؤولي النظام السابق، بينما تركوا ما هو أهم من ذلك؛ فالعراقيون قادرون على قيادة بلدهم وتحقيق أماني شعبهم.وأكدت له أن أخطر ما قامت به الإدارة الأمريكية كان تكريس المحاصصة الطائفية، لما لها من آثار في بنية الدولة ووحدة المجتمع.وقد التقيت الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في الكونغرس الأمريكي، وألقيت كلمة تحت قبته، وقوبلت بالتصفيق.

خامساً: رفض لقاء صدام حسين بعد اعتقاله

هاتف الثلج: بعد اعتقال صدام حسين، هل طُلب منكم لقاؤه؟ وكيف تعاملتم مع هذا الطلب، في ظل تاريخكم الشخصي والسياسي معه؟

د. إياد علاوي: عندما عدت إلى بغداد، كانت القوات الأمريكية قد ألقت القبض على صدام حسين قبل يومين، ووضعته في المعتقل.وطلب مني الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر أن ألتقي صدام، لكنني رفضت.فسألني عن سبب الرفض، فأجبته: “هو معتقل لديكم، هل تريدون من وراء ذلك أن أستهزئ به وأشمت؟ لدينا أخلاق وقيم نعتز بها. لو كنت قد صادفته في الشارع لقتلته، لكن أن أراه قابعاً في معتقلكم، فأرفض اللقاء”.

سادساً: حقوق المعتقلين ومساعي إطلاق سراحهم

هاتف الثلج: خلال توليكم رئاسة الوزراء، ما الإجراءات التي اتخذتموها بشأن المعتقلين العراقيين، وما الذي تمكنتم من تحقيقه في هذا الملف؟

د. إياد علاوي: عندما تسلمت منصب رئيس الوزراء، كلفت وفداً ضم نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ووزير حقوق الإنسان بختيار أمين، وطلبت منهم أن يسألوا صدام حسين عما يحتاج إليه، وأن يسألوا طارق عزيز أيضاً.كما شكلت لجنة برئاسة برهم صالح للدفاع عن حقوق المعتقلين، وتحدثت مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بشأن هذا الملف.وتمكنت من إطلاق سراح هدى صالح عماش، وهمام عبد الخالق، وزير التعليم العالي، وسمير النجم. كما حاولت إطلاق سراح طارق عزيز وسلطان هاشم وآخرين، لكن بعضهم توفي في المعتقل.وخصصت من يتولى رعاية سلطان هاشم. وكان الجنرال ديفيد بترايوس قد أرسل إليه برقية جاء فيها: “لا تقاتلونا، نحن جئنا ضد صدام”.وأخبرتني تمارا الداغستاني، التي كانت تعمل مع أحمد الجلبي ولها صلات ببعض المسؤولين الأمريكيين، أن هناك توجهاً لإعدام سلطان هاشم.فتدخلت واتصلت بالسفير الأمريكي زلماي خليل زاد، وقلت له: “ممنوع تعدموه، هذا رمز للجيش العراقي، وأرفض الاعتداء على العراقيين”.ولم يُعدم سلطان هاشم، لكنه توفي في السجن.

سابعاً: هل يمكن تجاوز أزمة الحكم في العراق؟

هاتف الثلج: بعد هذه التجربة الطويلة في المعارضة والحكم، ما المخرج الذي ترونه ممكناً للأزمة السياسية العراقية، وما الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها إدارة الدولة؟

د. إياد علاوي: المخرج يبدأ بترشيح عناصر سياسية واقتصادية كفوءة ونزيهة، تمتلك الخبرة اللازمة لإدارة شؤون البلاد.وقد زارني مؤخراً السيد علي الزيدي، رئيس مجلس الوزراء، وسألني: “كيف يمكننا أن ندير شؤون البلاد بأفضل طريقة ممكنة؟”.وقدمت له ملاحظاتي وآرائي بشأن الطريقة الصحيحة لإدارة الحكم، فشكرني وقال إنه سيزورني أسبوعياً للاستفادة من مشورتي.

إن استعادة التجارب السياسية العراقية ومناقشتها بموضوعية تمثل ضرورة لفهم ما أصاب الدولة من اختلالات، وما رافق مرحلة ما بعد عام 2003 من قرارات تركت آثاراً بعيدة المدى في مؤسساتها ومجتمعها. وتبقى قضايا السيادة، وبناء المؤسسات، وحماية حقوق المعتقلين، ورفض المحاصصة الطائفية، من الملفات التي تستحق مراجعة جادة تتجاوز المواقف الشخصية إلى استخلاص الدروس الوطنية.

وفي هذا السياق، أرى أن لقاء السيد علي الزيدي بالدكتور إياد علاوي خطوة إيجابية، وأتمنى أن يستمر هذا التواصل للاستفادة من الخبرات السياسية المتراكمة، وأن تتحول المشورة إلى عمل مؤسسي يخدم العراق والعراقيين، بعيداً عن المصالح الضيقة، وبما يعزز بناء دولة تقوم على الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون.

اترك تعليقًا

عرض
Drag