Skip links

في العراق… اسأل عن الفساد، وقد تصبح أنت القضية!

في العراق، لدينا ديمقراطية من نوع خاص:

قل ما تشاء… ولكن لا تسأل كثيراً!

تستطيع أن تنتقد الطقس، وكرة القدم، وحتى أداء المنتخب، لكن إذا سألت:

أين ذهبت أموال المشروع؟

أين العقد؟

من هي الشركة؟

ومن المستفيد الحقيقي؟

فهنا تبدأ رحلة «الجهة المختصة» و«الكتاب الرسمي» و«كتاب الجواب»، وقد تنتهي بعد أشهر بجملة عبقرية:

«لم نعثر على المعلومات المطلوبة».

وهكذا تصبح الشفافية العراقية:

المعلومة موجودة… لكن مكانها سري!

المشكلة ليست فقط في حرية الكلام، بل في حرية الوصول إلى المعلومات.

فالمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تحمي الحق في البحث عن المعلومات وتلقيها ونقلها، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تربط مكافحة الفساد بالشفافية ومشاركة المجتمع والوصول إلى المعلومات.

لكن المفارقة العراقية أن المسؤول الذي تُثار حوله شبهة فساد يحتاج إلى تحقيق، بينما الصحفي أو الناشط الذي يسأل عن الملف قد يجد نفسه بحاجة إلى محامٍ!

طبعاً، لا أحد فوق القانون، ومن حق أي شخص الدفاع عن سمعته ضد الاتهامات الكاذبة.

لكن هناك فرق بين التشهير بشخص دون دليل وبين تحقيق صحفي يستند إلى وثائق أو مؤشرات ويطالب الجهات المختصة بالتحقيق.

فالصحافة ليست محكمة، والناشط ليس قاضياً، لكن المسؤول أيضاً ليس فوق السؤال.

الفساد يحب الظلام!

الفساد لا يخاف من الخطب ولا من الشعارات.

لكنه يخاف من شيء بسيط جداً:

جدول إلكتروني مفتوح للجمهور!

تخيلوا الكارثة:

العقد منشور،

قيمة المشروع معروفة،

الشركة معروفة،

المالك الحقيقي معروف،

المبالغ المدفوعة معلنة،

ونسبة الإنجاز منشورة!

هنا يصبح الفساد مضطراً إلى البحث عن وظيفة أخرى!

أما عندما تكون البيانات متفرقة، والعقود غير منشورة، والملكية الحقيقية لبعض الشركات غامضة، فإن مكافحة غسل الأموال تتحول إلى لعبة «ابحث عن الشخص الذي يقف خلف الشخص الذي يقف خلف الشركة».

والأرقام تتحدث

حصل العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 على 28 من 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة.

وفي مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 جاء في المرتبة 162 من أصل 180 دولة.

هذه الأرقام لا تعني أن كل صحفي على حق، ولا أن كل اتهام بالفساد صحيح، لكنها تؤكد الحاجة إلى بيئة أقوى للشفافية والرقابة.

والعراق، كدولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ملتزم بمبادئ تتعلق بالشفافية ومشاركة المجتمع والوصول إلى المعلومات.

كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 68/163 بشأن سلامة الصحفيين والإفلات من العقاب.

أي أن الرسالة الدولية واضحة:

إذا أردت أن تحارب الفساد، فلا تخنق الذين يكشفونه.

الحل؟

بدلاً من مطاردة الصحفي:

انشروا الوثيقة.

بدلاً من منع السؤال:

أجيبوا عنه.

بدلاً من تخويف الناشط:

افتحوا البيانات.

وإذا قال صحفي إن هناك شبهة فساد، فلا تسألوه أولاً:

«لماذا تكلمت؟»

بل اسألوا:

«هل ما نشرته صحيح؟»

فإذا كان صحيحاً، فالمشكلة في الوقائع، لا في الصحفي.

وإذا كان خاطئاً، فلتثبت الجهة المعنية خطأه بالوثائق.

فالفساد لا يخاف من الكلام.

الفساد يخاف من المعلومة.

والأخطر على أي منظومة فساد ليس ناشطاً غاضباً، بل وثيقة أصلية، وبيانات مفتوحة، وصحفي يعرف كيف يقرأ الأرقام.

ولهذا، يمكن اختصار الحكاية كلها:

في الدولة الشفافة، المواطن يسأل: أين ذهبت أموالنا؟

وفي الدولة التي تخاف من المعلومة، قد يصبح السؤال نفسه هو المشكلة!

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي

اترك تعليقًا

عرض
Drag