شقاء الاكتفاء
هدى زوين
ثمة أشياء لا يموت الإنسان حين يفقدها لكنه يتغير بعدها إلى الأبد. يستيقظ ذات صباح فلا يجد في قلبه تلك اللهفة القديمة ولا ذلك السؤال الذي كان يطارده كل ليلة ولا تلك الرغبة التي كانت تجعله يرى في الغد احتمالًا يستحق الانتظار.
لا شيء حدث بصورة واضحة. لم ينكسر باب ولم تُعلن خسارة ولم يأت أحد ليقول له إن حلمه انتهى. فقط تعب.
وحين يتعب الإنسان من الانتظار طويلًا يبدأ بإعادة تسمية الأشياء كي يستطيع العيش معها. يسمي التراجع حكمة ويسمي الصمت نضجًا ويسمي التخلي قناعة ثم يصل ذات يوم إلى الكلمة الأكثر قسوة: الاكتفاء.
يقول: يكفيني ما لدي.
وقد يكون صادقًا لكن الصدق لا يعني دائمًا أن الكلام يخلو من الألم. فكم من إنسان قال اكتفيت لأنه لم يعد يملك طاقة المطالبة وكم من قلب أقنع نفسه بأنه لا يريد ما كان يتمناه فقط لأنه أدرك أن الوصول إليه صار أثقل من احتماله.
المشكلة ليست في الاكتفاء حين يأتي من امتلاء. فالذي امتلأ لا ينظر إلى ما في يد غيره بحسرة ولا يقيس عمره بما فات ولا يحتاج كل ليلة إلى إقناع نفسه بأنه بخير. ذلك هو الاكتفاء الذي يشبه السلام.
أما شقاء الاكتفاء فيبدأ حين يكون الإنسان قد أراد كثيرًا وحاول كثيرًا وخسر كثيرًا ثم لم يبقَ له سوى أن يقول لنفسه: لم أعد أريد.
وهنا تكمن الحيلة الصغيرة التي يمارسها القلب على صاحبه. فالرغبة لا تختفي دائمًا. أحيانًا تتعلم الصمت فقط.
تجلس في زاوية بعيدة من الروح لا تطلب شيئًا ولا تعترض ولا تبكي لكنها تعرف جيدًا ما كانت تريده.
ولهذا قد يعيش الإنسان سنوات كاملة بصورة تبدو مستقرة للآخرين. يعمل ويضحك ويشارك الناس أيامهم ويبدو راضيًا عن نصيبه بينما يحمل في داخله نسخة قديمة منه تلك النسخة التي كانت تؤمن أن الحياة يمكن أن تكون أكثر اتساعًا.
ليس كل من قال إنه اكتفى قد وصل إلى الرضا. بعضهم وصل إلى آخر الطريق الذي استطاع احتماله. وهناك فرق كبير بين الاثنين.
فالرضا أن تنظر إلى ما لديك فلا تشعر أنك خُدعت من الحياة أما الاكتفاء القسري فهو أن تنظر إلى ما لديك وتقول: لا بأس. ثم تنظر بعيدًا حتى لا ترى ما تمنيت.
ولذلك لا ينبغي أن نخلط دائمًا بين القناعة والاستسلام. القناعة لا تطفئ الإنسان بل تهدئه. أما الاستسلام فيطفئ الضوء ثم يقنع صاحبه بأن الظلام راحة.
ومع ذلك ليس في الحياة ما يضمن لنا أن نحصل على كل ما نريد. وهذه هي الحقيقة التي تجعل النضج أكثر قسوة وجمالًا في آن واحد.
أن تعرف متى تتمسك ومتى تترك ومتى تقول إن الطريق لم يعد لك دون أن تكذب على قلبك وتقول إنك لم تكن تريده أصلًا.
فليس عيبًا أن نحزن على ما لم يحدث ولا عيبًا أن نعترف بأن بعض الأمنيات كانت عزيزة علينا ولا عيبًا أن نمر بفترة لا نعرف فيها كيف نتصالح مع نصيبنا.
العيب الوحيد أن نعيش بقية أعمارنا داخل كذبة مريحة. أن نسمي خوفنا قناعة وأن نسمي عجزنا اكتفاء وأن ندفن أحلامنا ثم نقف فوق قبورها بفخر قائلين: لقد شفيت.
بعض الأشياء لا تحتاج إلى أن نمتلكها كي نكون بخير لكننا نحتاج إلى أن نعترف لأنفسنا بأنها كانت تعني لنا شيئًا.
فالإنسان لا يصبح مكتفيًا حين يتوقف عن الرغبة بل حين لا تعود رغبته قادرة على سرقة سلامه.
وهنا فقط يتحول الاكتفاء من شقاء إلى حرية. لا لأن الحياة أعطته كل ما أراد بل لأنه تعلم أخيرًا أن يعيش دون أن يخسر نفسه في انتظار ما لم تأتِ به الأيام.
وربما أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في نهاية الطريق ليس أن يقول: يكفيني ما لدي بل أن يقولها دون أن يسمع في داخله صوتًا آخر يهمس: كان يمكن أن يكون لي أكثر.
