Skip links

الحكومة تدلل والشغب يعاني

مشتاق الربيعي

في بلدٍ غني بالثروات مثل العراق، الذي يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، تبدو معاناة المواطن العراقي مع البطالة والفقر وضعف الخدمات مفارقة مؤلمة تستحق الوقوف عندها طويلًا.

فالعراق يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة، من النفط والغاز إلى الأراضي الزراعية والمياه والثروات الطبيعية والمواقع السياحية، فضلًا عن موقعه الجغرافي المهم وطاقاته البشرية الكبيرة. وهذه الإمكانات، لو أُديرت بصورة صحيحة، قادرة على بناء اقتصاد قوي وتوفير حياة كريمة لأبناء الشعب.

وبحسب أحدث البيانات الرسمية المتاحة في عام 2025، بلغ معدل البطالة في العراق 13.5% للفئة العمرية 15 سنة فأكثر، وهي نسبة تعكس حجم التحدي الذي يواجه سوق العمل العراقي.

وراء هذه النسبة أعداد كبيرة من الشباب والخريجين الذين يبحثون عن فرصة عمل، بعضهم أمضى سنوات طويلة في الدراسة، ثم وجد نفسه أمام أبواب مغلقة ومستقبل غير واضح.

وفي المقابل، يعاني عدد من الموظفين أيضًا من تواضع الرواتب أمام ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار، الأمر الذي جعل تحسين المستوى المعيشي للمواطن قضية ملحة لا يمكن تجاهلها.

ومن هنا خرج العديد من الخريجين في تظاهرات سلمية مطالبين بحقوقهم المشروعة، وفي مقدمتها توفير فرص العمل والإنصاف في التوظيف. وهذه المطالبات السلمية حق كفله الدستور والقانون، ومن واجب المؤسسات المعنية الاستماع إليها والتعامل معها بروح المسؤولية والحوار.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لبلد يمتلك كل هذه الثروات أن يبقى فيه أبناؤه يبحثون عن فرصة عمل؟

إن المشكلة ليست في قلة موارد العراق، وإنما في كيفية إدارة هذه الموارد واستثمارها بالشكل الصحيح. فالثروة النفطية يجب ألا تكون مجرد مورد لتمويل النفقات، بل ينبغي أن تتحول إلى مشاريع إنتاجية وصناعية وزراعية واستثمارية تخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.

كما أن الاعتماد الكبير على النفط يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للتقلبات، ولذلك فإن تنويع مصادر الدخل أصبح ضرورة وطنية وليس خيارًا.

ومن الضروري دعم القطاع الخاص، وتشجيع المستثمرين، وتسهيل إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة إحياء الصناعة الوطنية، ودعم الزراعة والسياحة، لأن هذه القطاعات قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب.

كذلك يجب إعادة النظر في مخرجات التعليم وربطها باحتياجات سوق العمل، حتى لا تستمر الجامعات في تخريج آلاف الشباب الذين يجدون أنفسهم بعد التخرج أمام مشكلة البطالة وانتظار التعيين الحكومي.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي من دون مكافحة الفساد وهدر المال العام، لأن الأموال التي تهدر كان من الممكن أن تتحول إلى مشاريع وخدمات وفرص عمل يستفيد منها المواطن.

إن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل، وإنما يريد فرصة عمل، وراتبًا يتناسب مع متطلبات الحياة، وخدمات جيدة، وتعليمًا محترمًا، ورعاية صحية، وحياة كريمة.

ومن المؤسف أن يشعر المواطن بأن الحكومة قادرة على تقديم الكثير، لكنها لا تقدم بالقدر الذي يتناسب مع حجم الثروات والإمكانات التي يمتلكها العراق.

الحكومة تدلل.. والشعب يعاني.

فبينما يبحث الخريج عن وظيفة، ويكافح الموظف لتغطية احتياجات أسرته، وينتظر المواطن تحسين الخدمات، يبقى السؤال حاضرًا: أين تذهب ثروات بلد يمتلك كل هذه الإمكانات؟

إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الوعود، وإنما خطط حقيقية وسياسات اقتصادية واضحة تضع المواطن في مقدمة الأولويات.

فالشباب العراقي ليسوا عبئًا على الدولة، وإنما يمثلون ثروة بشرية هائلة. وإذا حصلوا على الفرصة المناسبة، فإنهم قادرون على المساهمة في بناء اقتصاد قوي وتحقيق التنمية.

العراق لا تنقصه الثروات، ولا تنقصه الطاقات البشرية، وإنما يحتاج إلى إدارة رشيدة وعادلة تحول موارده إلى فرص عمل وخدمات وحياة كريمة.

فما قيمة النفط والثروات إذا بقي الشعب يعاني

اترك تعليقًا

عرض
Drag