إنقاذ العراق..من السراق
بعد قراءة متأنية لمسار العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال العقود الماضية، يبدو أن الأزمة العراقية لم تعد مرتبطة بتغيير حكومة أو استبدال وزير أو تبديل فريق سياسي بآخر، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة منظومة الحكم نفسها، وبقدرتها على إنتاج دولة مستقرة وقادرة على حماية مصالح مواطنيها وتحقيق التنمية.
لقد أثبتت التجربة أن تغيير الأشخاص، من دون تغيير قواعد إدارة الدولة، لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج. فحين تبقى المحاصصة الحزبية والطائفية، وتستمر شبكات النفوذ والمصالح، وتظل مؤسسات الدولة خاضعة للتوازنات السياسية، فإن تبديل الوجوه لن يكون أكثر من إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، بحيث تصبح مؤسسات الدولة ملكاً للمواطنين، لا مجالاً لتقاسم النفوذ بين الأحزاب والقوى المتنافسة.
العراق بحاجة إلى فتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات الوطنية؛ من الأكاديميين والخبراء والمهنيين وأصحاب الخبرة الإدارية والاقتصادية والقانونية، ممن يمتلكون القدرة والنزاهة والاستقلالية لإدارة مؤسسات الدولة وفق معايير الكفاءة والمصلحة العامة.
ولا يعني ذلك إقصاء المواطنين بسبب انتماءاتهم السياسية، وإنما يعني وضع معيار واضح لإدارة الدولة: الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز قبل الانتماء الحزبي أو الطائفي.
فلا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية سياسية تقوم على المحاصصة، ولا يمكن تحقيق التنمية في ظل مؤسسات تتغير إداراتها بتغير التوازنات السياسية، ولا يمكن مكافحة الفساد إذا بقيت الدولة جزءاً من منظومة المصالح التي تحمي الفاسدين.
العراق يحتاج إلى دولة قوية، لا إلى زعامات قوية.
ويحتاج إلى مواطنين متساوين أمام القانون، لا إلى رعايا يرتبط مستقبلهم بعلاقة مع حزب أو زعيم أو جهة نافذة.
ويحتاج إلى مؤسسات مستقلة وفاعلة، لا إلى تسويات سياسية مؤقتة.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة للإطار الدستوري والقانوني، ومعالجة الثغرات التي سمحت بتعطيل بناء الدولة، بما في ذلك دراسة إمكانية صياغة عقد سياسي ودستوري جديد يرسّخ المواطنة، والفصل بين السلطات، واستقلال المؤسسات، والمساءلة، والعدالة وتكافؤ الفرص.
قد يكون هذا الطريق صعباً، وقد تواجهه مقاومة من القوى المستفيدة من الوضع القائم، لكن استمرار النهج نفسه يعني استمرار النتائج نفسها.
فالعراق لا يحتاج إلى طبقة سياسية جديدة تُنتجها الطبقة السياسية القديمة، بل يحتاج إلى نظام دولة جديد يقوم على المواطنة والكفاءة والقانون والمؤسسات.
إنقاذ العراق لا يبدأ بتغيير الأسماء، بل بتغيير قواعد اللعبة.
والسؤال الحقيقي اليوم ليس: من سيحكم العراق؟
بل: أي دولة نريد أن يحكمها العراقيون؟
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
