تحرير العقول.. بداية نهضة الأوطان
مشتاق الربيعي
لو جمعنا معقّمات العالم بأجمعها، لما استطعنا تطهيرها من الأفكار المريضة التي ترسخت في العقول عبر سنوات طويلة.
بعض الأفكار تحمل قيودًا غير مبررة، وقد تكون أحيانًا أشد قسوة من القيود المادية، لأنها تسكن داخل عقل الإنسان وتحدّ من قدرته على التفكير بحرية وانفتاح. وبعض الأفكار تكون ملوّثة إلى درجة كبيرة، ولو جمعنا معقّمات العالم بأجمعها، لما استطعنا تطهيرها من الأفكار المريضة التي ترسخت في العقول عبر سنوات طويلة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس خراب الأبنية والطرق والمؤسسات، بل خراب الفكر والوعي؛ فالمباني يمكن إعادة إعمارها، والطرق يمكن إصلاحها، والمدن يمكن أن تنهض من بين الركام، لكن إعادة بناء الإنسان تحتاج إلى وقت طويل وجهد متواصل وإرادة حقيقية.
فالنهضة الفكرية أهم بكثير من النهضة العمرانية، لأن الإنسان هو أساس كل نهضة. وإذا كان العقل مشبعًا بالكراهية والتعصب ورفض الآخر، فلن تنجح كل مشاريع الإعمار في صناعة مجتمع مستقر ومتسامح.
إن تحرير الإنسان لا يعني أن نفرض عليه أفكارًا جديدة، وإنما أن نمنحه القدرة على التفكير والسؤال والنقاش، وأن نساعده على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين القناعة الشخصية والفكرة التي فُرضت عليه. فالإنسان قد يعيش في بيئة مفتوحة، لكنه يبقى أسير أفكار ورثها دون أن يناقشها أو يراجعها.
وإعادة بناء الإنسان تحتاج إلى برامج ثقافية وتوعوية وتعليمية مكثفة، تهدف إلى تطوير الوعي، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، ونبذ العنف والكراهية والتطرف، مع تعزيز التفكير النقدي الذي يجعل الإنسان قادرًا على مراجعة أفكاره وتصحيح مساره.
وتقع هذه المسؤولية على عاتق الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية والدولية، وكل الجهات ذات العلاقة والصلة؛ فبناء الإنسان مسؤولية مشتركة، ولا يمكن لمؤسسة واحدة أن تنهض بهذه المهمة منفردة.
ولا يمكن بناء وطن متقدم بعقول مقيدة، كما لا يمكن تحقيق نهضة حقيقية من دون تحرير الإنسان من الخوف والتعصب والانغلاق. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى أولًا بعقول واعية، وأفكار سليمة، وإنسان يؤمن بأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الحوار هو الطريق الأقرب إلى التفاهم.
إن احتلال الأرض يمكن أن ينتهي بمعركة أو اتفاق، أما احتلال العقل فقد يستمر أجيالًا، ولذلك فإن معركة الوعي هي من أصعب المعارك وأكثرها أهمية. وإذا أردنا بناء أوطان قوية ومستقرة، فعلينا أن نبدأ ببناء الإنسان وتحرير عقله، لأن نهضة الأوطان تبدأ من نهضة العقول.
