اقتصاد على ألمحك
مشتاق الربيعي
من المؤلم حقًا أن يواجه العراق أزمات مالية متكررة، وهو من أغنى دول العالم بالثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، إذ يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية عالميًا. وكان من المفترض أن تشكل هذه الثروة أساسًا لبناء اقتصاد قوي ومستقر يضمن للمواطن حياة كريمة، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى جانب تراجع مستوى الخدمات العامة.
لقد أدى الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيس للإيرادات إلى جعل الاقتصاد العراقي عرضة لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، فكل انخفاض في الأسعار ينعكس بصورة مباشرة على الموازنة العامة، ويؤثر في قدرة الدولة على تنفيذ مشاريعها وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات. وفي ظل استمرار هذا الاعتماد، فإن أي أزمة مالية أو انخفاض حاد في أسعار النفط قد ينعكس أيضًا على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، الأمر الذي قد يؤثر في صرف مستحقات الموظفين والمتقاعدين، فضلًا عن تمويل المشاريع والخدمات العامة، وهو ما يؤكد أهمية تنويع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات الإنتاجية لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي.
وفي المقابل، لم تحظَ القطاعات الإنتاجية بالاهتمام الذي تستحقه خلال العقود الماضية، إذ شهد القطاع الصناعي تراجعًا كبيرًا، رغم امتلاك العراق قاعدة صناعية يمكن تطويرها وإعادة تأهيلها. كما واجه القطاع الزراعي تحديات متعددة، من بينها شح المياه وضعف الدعم وتراجع البنى التحتية، مما أدى إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد. أما القطاع الخاص، فما زال بحاجة إلى بيئة استثمارية مستقرة وتشريعات محفزة تتيح له القيام بدوره الحقيقي في دعم الاقتصاد الوطني. كذلك تمثل السياحة، بما يمتلكه العراق من مقومات دينية وأثرية وطبيعية، موردًا اقتصاديًا مهمًا يمكن أن يسهم في تنويع مصادر الدخل إذا ما جرى تطويرها بالشكل الصحيح.
ولو فُتحت أبواب الاستثمار بصورة أوسع، ووُضعت سياسات اقتصادية واضحة تشجع رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، لأمكن خلق آلاف فرص العمل وامتصاص أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل، فضلًا عن زيادة الإيرادات غير النفطية وتعزيز موارد خزينة الدولة، بما يخفف من آثار تقلبات أسعار النفط ويمنح الاقتصاد العراقي قدرًا أكبر من الاستقرار.
إن المرحلة الحالية تتطلب إعداد خطة اقتصادية وطنية شاملة للنهوض بواقع العراق الاقتصادي، تقوم على أسس علمية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، بعيدًا عن الحلول المؤقتة. وينبغي أن ترتكز هذه الخطة على تنويع مصادر الدخل، ودعم القطاع الخاص، وإحياء الصناعة الوطنية، وتطوير الزراعة، والاستثمار في السياحة، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب توفير بيئة استثمارية جاذبة، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير البنى التحتية، والاستثمار في التعليم والتدريب المهني لإعداد كوادر قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل.
إن العراق يمتلك جميع المقومات التي تؤهله ليكون قوة اقتصادية رائدة في المنطقة، من ثروات طبيعية، وموقع جغرافي متميز، وطاقات بشرية قادرة على الإبداع والعطاء. وما يحتاجه اليوم هو الإرادة الحقيقية، والتخطيط السليم، والعمل الجاد لتحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع تنموية حقيقية تنعكس آثارها على حياة المواطن، وتؤسس لاقتصاد متنوع ومستدام، لا يعتمد على النفط وحده، بل يستند إلى جميع القطاعات الإنتاجية، بما يضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا للعراق وأبنائه
