التضخم في العراق بين الرسمي والمكبوت
دراسة في الفجوة بين المؤشرات الإحصائية والقدرة الشرائية- الحلقة الثالثة
مما تقدم يتبين لنا أن جميع التفسيرات السابقة الذكر وجميع العوامل السابقة لا تعمل منفردة بل أن كل عامل منها يعمل ويتفاعل مع بقية العوامل الأخرى، فجذب الطلب ودفع الكلفه والعامل النقدي تعمل معا وفي نفس الظروف وتؤدي جميعا إلى زيادة الأسعار، وهي نتاج تفاعل معقد بين مجموعة من العوامل التي تؤثر على الأسعار بشكل متداخل ومتكامل.
سادسا: التضخم الرسمي والتضخم المعيشي (المعاش) أو التضخم المكبوت
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن المقصود بمصطلح (التضخم المكبوت) في هذه الدراسة لا ينسجم مع المفهوم الاقتصادي التقليدي الذي يشير إلى التضخم الناتج عن فرض الحكومة رقابة على الأسعار ومنعها من الارتفاع رغم وجود ضغوط تضخمية كامنة، وإنما يستخدم هنا للدلالة على التضخم غير المنعكس بصورة كاملة في المؤشرات الرسمية، والذي يظهر في تآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، رغم انخفاض معدلات التضخم المعلنة.
ولذلك يمكن اعتباره مرادفا لما يُعرف في هذه الدراسة بالتضخم المعيشي (المعاش).
وتهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال مهم وهو: لماذا يشعر المواطن العراقي بارتفاع كبير في الأسعار، في حين تعلن الجهات الرسمية أن معدل التضخم لا يتجاوز بضعة في المئة؟
والإجابة أن كلا الرقمين قد يكون صحيحا، إلا أن كلا منهما يقيس جانبا مختلفا من الظاهرة الاقتصادية.
أولا: التضخم الرسمي
التضخم الرسمي هو المعدل الذي يحتسبه الجهاز المركزي للإحصاء، اعتمادا على الرقم القياسي لأسعار المستهلك (Consumer Price Index – CPI).
وهو المؤشر المعتمد دوليا لقياس التغيير في المستوى العام للأسعار. وتعديل التغير وتقوم منهجية احتسابه على اختيار سلة تمثل متوسط استهلاك الأسر من السلع والخدمات، ثم يمنح لكل سلعة أو خدمة وزن نسبي يعكس أهميتها في الإنفاق الأسري، وبعد ذلك تقارن أسعار هذه السلة بين فترتين زمنيتين.
فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت القيمة الكلية للسلة بنسبة (٤٪) خلال سنة معينة، يُعلن أن معدل التضخم بلغ (٤٪)، ويُعد هذا الأسلوب منهجا علميا معتمدا لدى معظم دول العالم، ويُستخدم في رسم السياسات النقدية والمالية ومتابعة استقرار الأسعار، وإجراء المقارنات الدولية.
إلا أن هذا المؤشر يمثل متوسطا عاما للأسعار، ولا يعكس بالضرورة تجربة كل أسرة أو كل فرد.
ثانيا: التضخم المعيشي (المعاش) أو التضخم المكبوت في هذه الدراسة
يُعد التضخم المعيشي من المفاهيم التي برزت نتيجة اتساع الفجوة بين معدلات التضخم الرسمية وبين ما يلمسه المواطن في حياته اليومية من ارتفاع في تكاليف المعيشة .
ويقصد به الارتفاع الفعلي نفسه للأسرة نتيجة زيادة أسعار السلع والخدمات التي تستهلكها فعليا، وما يترتب على ذلك من انخفاض في القوة الشرائية للدخل، بغض النظر عن معدل التضخم الرسمي المحسوب وفق الرقم القياسي لأسعار المستهلك. وبعبارة أكثر دقة فهو التضخم الذي يشعر به المواطن عند ذهابه إلى السوق، ويصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثة أضعاف التضخم الرسمي.
فإذا كان دخل الأسرة مليون دينار شهريا وكان يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية، ثم أصبح الدخل نفسه لا يغطي سوى ثلاثة أرباع تلك الاحتياجات، فإن الأسرة ستشعر بأن الأسعار ارتفعت بصورة كبيرة، حتى وإن أعلن الجهاز المركزي للإحصاء أن معدل التضخم السنوي لا يتجاوز (٤٪).
ومن ثم فإن التضخم المعيشي لا يمثل رقما إحصائيا، بل يمثل الأثر الحقيقي للتضخم على مستوى معيشة الأفراد والأسر.
لماذا يشعر المواطن العراقي بأن التضخم أعلى من الرقم الرسمي؟
هناك مجموعة من العوامل تفسر هذه الفجوة من أهمها:
١– اختلاف الأوزان النسبية للسلع:
يعتمد الرقم القياسي على أوزان محددة للسلع والخدمات، إلا أن المواطن قد ينفق معظم دخله على سلع ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة، مثل الغذاء والنقل، بينما تكون السلع التي استقرت أسعارها أو انخفضت أسعارها قليلة الأهمية بالنسبة له. فعلى سبيل المثال:
| السلعة | نسبة الزيادة |
| الرز | ٢٠ ٪ |
| الزيت | ٢٥ ٪ |
| اللحوم | ٢٠ ٪ |
| النقل | ١٨ ٪ |
وفي المقابل قد تبقى أسعار أجهزة التلفاز أو الهواتف أو بعض الملابس مستقرة أو تنخفض، مما يخفف متوسط التضخم الرسمي، رغم أن المواطن لا يشتري هذه السلع بصورة متكررة بينما يشتري الغذاء يوميا.
٢– اختلاف أنماط الاستهلاك:
لا توجد سلة استهلاك واحدة تناسب جميع الأسر، فالموظف، والعامل، والمتقاعد، والفلاح، وذوو الدخل المحدود، لكل منهم نمط إنفاق مختلف، ولذلك قد يكون التضخم الفعلي الذي تتحمله الأسرة الفقيرة أعلى بكثير من التضخم الذي تتحمله الأسرة ذات الدخل المرتفع، بسبب تركز إنفاقها على السلع الأساسية .
٣– ارتفاع الوزن النسبي للغذاء:
تشكل المواد الغذائية في الواقع نسبة مرتفعة من إنفاق الأسر، لذلك فإن أي زيادة في أسعار الغذاء تنعكس مباشرة على مستوى المعيشة، حتى لو بقيت أسعار العديد من السلع الأخرى مستقرة .
٤– التآكل التراكمي للقوة الشرائية:
حتى عندما يصبح معدل التضخم السنوي منخفضا فإن المواطن قد يستمر في الشعور بالغلاء إذا كانت الأسعار قد ارتفعت خلال السنوات السابقة ولم تعد إلى مستوياتها السابقة، بينما بقيت الدخول ثابتة أو ارتفعت بمعدلات أقل من ارتفاع الأسعار . فالتضخم يقيس معدل تغير الأسعار وليس مستوى الأسعار نفسه .
٥– أثر تخفيض سعر صرف الدينار:
بعد تخفيض قيمة الدينار في نهاية عام (٢٠٢٠) ارتفعت أسعار آلاف السلع المستوردة مرة واحدة، ثم استقرت عند مستوياتها الجديدة.
لذلك انخفض معدل التضخم الرسمي في السنوات اللاحقة، إلا أن الأسعار لم تنخفض، وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بارتفاع تكاليف المعيشة. ولتوضيح ذلك نفترض أن سعر كيلوغرام (الرز) كان:
في عام ٢٠٢٠ = ١٠٠٠ دينار.
في عام ٢٠٢١ = ١٥٠٠ دينار (أي ارتفاع بنسبة ٥٠٪).
في عام ٢٠٢٢ = ١٥٠٠ دينار.
وعليه فإن معدل التضخم في عام (٢٠٢١) بلغ (٥٠٪)، بينما أصبح معدل التضخم في عام (٢٠٢٢) صفرا، لأن السعر لم يرتفع أكثر.
ومع ذلك فإن المواطن ما يزال يدفع (١٥٠٠) دينار بدلا من (١٠٠٠) دينار، ولذلك يبقى الشعور بالغلاء قائما، رغم ومعدل التضخم أصبح عند صفرا. وهذا لا يعني أن الإحصاءات الرسمية خاطئة وإنما يعني أن الأسعار استقرت عند مستوى مرتفع جديد.
هل يعكس التضخم الرسمي الواقع العراقي بالكامل؟
من الناحية الأكاديمية، لا يمكن القول أن التضخم الرسمي يعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي بصورة كاملة، لكنه في الوقت نفسه ليس مؤشرا خاطئا لأنه يقيس ما صُمم لقياسه، وهو متوسط التغير في الأسعار، أما المواطن فإنه يقيس بصورة غير مباشرة تغير مستوى معيشته وقدرته الشرائية.
وتزداد الفجوة بين المؤشرين في الواقع نتيجة مجموعة من الخصائص أبرزها:
الاعتماد الكبير على السلع المستوردة
ارتفاع حصة الغذاء والسكن والنقل من إنفاق الأسر
التفاوت الكبير في مستويات الدخول
ثبات رواتب شرائح واسعة لفترات طويلة
اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي، مما يجعل رصد جميع الأسعار والمعاملات أكثر صعوبة
التغيرات المتكررة في سعر الصرف وما تتركه من آثار طويلة الأمد على الأسعار
ضعف نمو الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.
ويبين لنا الجدول رقم (٤) الفروق الرئيسية بين التضخم الرسمي والتضخم المعيشي.
جدول رقم (٤)
| وجه المقارنة | التضخم الرسمي | التضخم المعيشي (المكبوت) |
| – جهة القياس | الجهاز المركزي للإحصاء | شعور الأسر وتكاليف المعيشة الفعلية |
| – أداة القياس | الرقم القياسي لأسعار المستهلك (CPI) | تغير الإنفاق الفعلي للأسرة |
| – ما الذي يقيسه؟ | متوسط تغير الأسعار | أثر الأسعار على القوة الشرائية |
| – يعتمد على | سلة معيارية وأوزان ثابتة نسبيا | سلة الاستهلاك الفعلية لكل أسرة |
| – يتأثر به | جميع السلع والخدمات | السلع الأساسية الأكثر استهلاكا |
| – لاستخدام | رسم السياسات الاقتصادية | تقييم الأوضاع الاجتماعية والمعيشية |
| – في العراق | غالبا ما يكون أقل من شعور المواطنين | غالبا ما يكون أعلى بكثير بسبب ارتفاع الغذاء والسكن والنقل وثبات الدخول |
وخلاصة القول، فمن الناحية العلمية، لا يمثل التضخم المعيشي بديلا عن التضخم الرسمي، وإنما يعد مؤشرا مكملا له.
فالتضخم الرسمي ضروري لصياغة السياسات النقدية والمالية وتقييم استقرار المستوى العام للأسعار، في حين يساعد التضخم المعيشي على قياس الأثر الاجتماعي للتضخم، ومدى تآكل القوة الشرائية والتغير الحقيقي في مستوى رفاه الأسر.
وفي حالة العراق، فإن الاقتصار على معدل التضخم الرسمي قد لا يعكس بصورة كاملة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، لذلك فإن الجمع بين المؤشرين يوفر فهما أكثر دقة للواقع الاقتصادي، ويساعد صانعي السياسات على تصميم إجراءات أكثر استجابة للأوضاع المعيشية للمواطنين.
سابعا: أهم الاستنتاجات
خلصت الدراسة إلى الاستنتاجات الآتية:
أولا: لم يتفق الباحثون والاقتصاديون على تعريف موحد للتضخم ويرجع ذلك إلى اختلاف مدارسهم الفكرية وتعدد الحالات التي تتناولها الظاهرة التضخمية، إلا أن معظم التعريفات تتفق على أن التضخم يتمثل في الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة، بما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، وقد عرّف كينز التضخم بأنه زيادة الطلب الكلي على العرض الحقيقي للاقتصاد بصورة محسوسة ومستمرة، مما يؤدي إلى سلسلة من الارتفاعات المتتابعة في المستوى العام للأسعار نتيجة وجود فائض في الطلب يفوق الطاقة الإنتاجية المتاحة، وهو ما يعبر عنه اقتصاديا بعبارة «نقود كثيرة تطارد سلعا قليلة».
ثانيا: تبين أن النظريات المفسرة للتضخم لا تعمل بصورة منفردة، وإنما تتفاعل فيما بينها بدرجات متفاوتة وفقا للظروف الاقتصادية السائدة. فالتضخم قد يكون نتيجة تداخل عوامل سحب الطلب وعوامل دفع الكلفة والعوامل النقدية في آن واحد، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار.
ثالثا: أن التوسع في عرض النقود أو زيادة الإصدار النقدي دون أن يقابله نمو حقيقي في الإنتاج والسلع والخدمات يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للنقود وارتفاع المستوى العام للأسعار، ومن ثم فإن تحقيق الاستقرار السعري يتطلب إيجاد توازن بين معدل نمو عرض النقود ومعدل نمو الناتج المحلي الحقيقي.
رابعا: أظهرت الدراسة أن ظاهرة التضخم في الواقع نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة من أبرزها الحروب المتعاقبة والعقوبات الاقتصادية التي استنزفت الموارد البشرية والمادية، فضلا عن تداعيات غزو العراق واحتلاله عام (٢٠٠٣) ما ترتب عليه من تدهور في القطاعات الاقتصادية الأساسية، ولا سيما الصناعة والزراعة والخدمات، كما أسهمت الاختلالات المالية من تراجع القدرة الإنتاجية المحلية في زيادة الاعتماد على الاستيراد لتلبية معظم احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي أدى إلى انتقال جزء من الضغوط التضخمية الخارجية إلى الداخل فيما يعرف بالتضخم المستورد. كذلك فإن وجود كتلة نقدية كبيرة لا يقابلها توسع مماثل في الإنتاج المحلي أسهم في زيادة الضغوط التضخمية، وقد شكلت هذه العوامل مجتمعة تحديات كبيرة أمام السياسات الاقتصادية والمالية، وأضعفت قدرتها على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من التضخم.
خامسا: يتسم التضخم في العراق بكونه أقرب إلى التضخم المستورد والتضخم الناتج عن تقلبات سعر الصرف، أكثر من كونه تضخما ناتجا عن زيادة الطلب المحلي أو ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، ويعكس ذلك درجة الارتباط العالية بالأسواق الخارجية وتقلبات الاقتصاد العالمي.
سادسا: يتميز الاقتصاد العراقي بضعف القاعدة الإنتاجية في قطاعي الصناعة والزراعة واعتماده الكبير على قطاع النفط كمصدر رئيسي للدخل، مما يجعله اقتصادا أحادي الجانب، ورغم وجود بعض العوامل الكابحة للتضخم، مثل ربط الدينار بالدولار للحد من التقلبات السعرية، إلا أن الطابع الاستهلاكي للاقتصاد واعتماده على الاستيراد يجعل مستويات الأسعار مرتبطة بالأسواق العالمية أكثر من ارتباطها بالإنتاج المحلي، كما أن ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستويات الدخل يسهمان في ضعف الطلب المحلي، مما يحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب.
سابعا: توجد فجوة واضحة بين التضخم الرسمي والتضخم المعاش (المكبوت)، حيث يعكس الأخير الارتفاع الفعلي في تكاليف المعيشة الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية، وقد يكون التضخم المعاش أعلى بكثير من التضخم الرسمي في بعض الحالات، مما يجعل كلا المؤشرين ضروريين لفهم الصورة الحقيقية للتضخم في الاقتصاد العراقي.
ثامنا: المقترحات
في ضوء الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة، يمكن تقديم المقترحات الآتية:
أولا: العمل على تنويع الهيكل الاقتصادي العراقي وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال دعم قطاعي الصناعة والزراعة وتشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
ثانيا : تقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد، عبر دعم الإنتاج الوطني وتحسين القدرة التنافسية للسلع الوطنية، بما يسهم في تخفيف انتقال التضخم المستورد إلى الداخل.
ثالثا: تعزيز السياسات النقدية التي تستهدف استقرار سعر الصرف بشكل مستدام، مع تطوير أدوات إدارة النقد بما يحقق توازنا بين استقرار العملة ودعم النمو الاقتصادي.
رابعا: تطوير منهجية قياس التضخم الرسمي بحيث تأخذ بنظر الاعتبار أنماط الاستهلاك الفعلية للأسر، لتقليل الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المعاش.
خامسا: معالجة مشكلة البطالة ورفع مستويات الدخل، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين الطلب المحلي بشكل صحي ومستدام، دون توليد ضغوط تضخمية غير مبررة.
سادسا: تعزيز الشفافية في البيانات الاقتصادية وتحديث سلة المستهلك بشكل دوري بما يعكس الواقع الفعلي للأسعار وأنماط الاستهلاك في المجتمع.
سابعا: العمل على وضع رؤية اقتصادية استراتيجية واضحة تهدف إلى تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في الواقع، بما يضمن الانتقال من اقتصاد ريعي أحادي الجانب إلى اقتصاد متنوع الإنتاج، إذ أن استمرار غياب رؤية اقتصادية شاملة منذ عام ٢٠٠٣ قد أسهم في تعميق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
ثامنا: تعزيز جهود مكافحة الفساد المالي والإداري بوصفه أحد أبرز المعوقات الأساسية للتنمية الاقتصادية لما له من أثر مباشر في هدر الموارد العامة وإضعاف فاعلية السياسات الاقتصادية والنقدية.
تاسعا: إعادة النظر في السياسات المالية والنقدية بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستقرار السعري وتحفيز النمو الاقتصادي، والعمل على تنسيق أكبر بين أدوات السياسة النقدية والمالية للحد من الضغوط التضخمية.
تاسعا: الخاتمة
تناولت هذه الدراسة موضوع التضخم في العراق بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت (المعاش)، بوصفه أحد أبرز الظواهر الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في مستوى معيشة الأفراد واستقرار الاقتصاد الكلي. وقد تبين من خلال التحليل النظري والتطبيقي أن ظاهرة التضخم في العراق لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، وإنما هي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، أبرزها الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي، والاعتماد الكبير على قطاع النفط، وضعف القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، فضلا عن التأثير الكبير بتقلبات أسعار الصرف والظروف الاقتصادية العالمية.
كما أوضحت الدراسة أن التضخم في العراق يتخذ في جزء كبير منه طابع التضخم المستورد، نتيجة الانفتاح الكبير على الأسواق الخارجية والاعتماد الواسع على الاستيراد لتلبية الاحتياجات المحلية. وفي المقابل أظهرت النتائج وجود فجوة واضحة بين التضخم الرسمي الذي تعلنه المؤشرات الإحصائية، والتضخم المعاش الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية، الأمر الذي يعكس اختلافا في قياس الظاهرة وعدم تطابقها الكامل مع الواقع الفعلي للأسعار.
وتوصلت الدراسة إلى أن معالجة التضخم في العراق تتطلب تبني سياسات اقتصادية شاملة، لا تقتصر على الجانب النقدي فقط، بل تمتد إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين آليات قياس التضخم بما يضمن دقة أكبر في التعبير عن الواقع الاقتصادي. وفي ضوء ما سبق، فإن فهم ظاهرة التضخم في الواقع يتطلب النظر إليها ضمن سياقها البنيوي والتاريخي والاقتصادي، وليس كظاهرة نقدية معزولة، بما يتيح وضع سياسات أكثر فاعلية في الحد من آثارها وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
عاشرا: المصادر التي اعتمدت عليها الدراسة
البنك المركزي العراقي، النشرات الإحصائية السنوية، أعداد مختلفة.
الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة التخطيط العراقية، تقارير أسعار المستهلك (CPI) سنوات متعددة.
صندوق النقد الدولي (IMF)، قاعدة بيانات التوقعات الاقتصادية العالمية.
البنك الدولي، مؤشرات التضخم وسعر الصرف للعراق.
وزارة التخطيط العراقية، تقارير التضخم والبيانات الاقتصادية السنوية.
منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، بيانات أسعار الغذاء العالمية (لأغراض المقارنة).
الدكتور محمد طاقة – كتاب التضخم والبطالة جدلية الاقتصاد والسياسة – دار آمنة للنشر والتوزيع عام ٢٠٢٥.
