الاقتصاد العراقي يصل لمرحلة الانفجار
تحذيرات من أكبر أزمة مالية منذ 2004..
في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمار، يعود النقاش في العراق إلى نقطة مركزية تتجاوز الجدل التقليدي حول الموازنات وأسعار النفط، هل المشكلة في غياب التشريعات الاقتصادية الحديثة، أم في طريقة إدارة الاقتصاد نفسه؟.
ولم يعد هذا السؤال أكاديمياً، بل بات محور نقاش رسمي داخل مؤسسات الدولة، وبين خبراء اقتصاد وبرلمانيين، في وقت تشير فيه تقارير دولية ومحلية إلى أن الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطاً متصاعدة، تتراوح بين هشاشة النمو واتساع العجز المالي، وضعف القطاع الخاص، وصولاً إلى مخاوف من دخول الاقتصاد في مراحل من الانكماش والتضخم في آن واحد.
وفي قلب هذا الجدل، تتصاعد الدعوات لإطلاق حزمة تشريعات اقتصادية جديدة تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق، وبين النفط وبقية القطاعات الإنتاجية، وبين القطاعين العام والخاص، في محاولة لوضع حد لما يوصف بأنه “اقتصاد ريعي غير متوازن“.
لكن هذه الدعوات، رغم توافقها على المبدأ العام، تكشف في الوقت ذاته عن قراءات مختلفة لطبيعة الأزمة، وحدود الإصلاح، وأولويات المرحلة المقبلة.
إعادة البناء التشريعي
ويقول مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، مظهر محمد صالح، إن العراق يواجه اليوم لحظة اقتصادية تتطلب “إعادة تأسيس الإطار القانوني للاقتصاد”، وليس تعديل السياسات المالية والنقدية فقط.
ويضيف صالح لوكالة شفق نيوز، أن “الإصلاح الاقتصادي لا يبدأ من الأرقام، بل من القانون”، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تحديثاً شاملاً لمنظومة الاستثمار، بما يواكب التحولات العالمية ويعزز ثقة المستثمرين.
ويؤكد أن تحديث التشريعات الاقتصادية بات ضرورة ملحة، خصوصاً في ما يتعلق بقانون الاستثمار، الذي يرى أنه يحتاج إلى تبسيط الإجراءات، وتقليل البيروقراطية، وتوفير ضمانات قانونية واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب.
لكن النقطة الأكثر أهمية، بحسب صالح، تتمثل في ضرورة تشريع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، باعتباره أحد الأدوات الأساسية لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، وتحفيز النمو الاقتصادي.
ويشير إلى أن هذا النوع من العقود يتطلب إطاراً قانونياً دقيقاً، يحدد توزيع المخاطر والعوائد بين الدولة والمستثمرين، خاصة أن هذه الشراكات تمتد في الغالب إلى عقود طويلة قد تصل إلى 30 أو 35 عاماً.
كما يوضح المستشار الحكومي، أن “هذه العقود تجمع بين القانون العام والخاص، وبالتالي لا يمكن تركها دون تنظيم تشريعي صارم، وإلا فإنها تتحول إلى مصدر نزاع بدل أن تكون أداة تنمية“.
ويذهب صالح إلى أبعد من ذلك، حين يشدد على ضرورة إنشاء قضاء اقتصادي متخصص، يتولى الفصل في النزاعات المتعلقة بعقود الاستثمار والشراكة، إضافة إلى تطوير أنظمة رقابية تمنع الفساد وتضمن الالتزام بمعايير التنفيذ.
تحرير القطاع الخاص

في المقابل، يطرح عضو لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة في مجلس النواب العراقي، كاظم الشمري، قراءة أكثر مباشرة للأزمة، تقوم على تقليل تدخل الدولة في الاقتصاد، ومنح مساحة أكبر للقطاع الخاص.
ويرى الشمري، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إن “العراق بحاجة إلى قوانين تشجع الاستثمار وتحمي القطاع الخاص من تدخلات القطاع العام والأطراف الأخرى“.
ويستعيد الشمري، ما يصفه بالمبدأ الاقتصادي البسيط “دعه يعمل، دعه يمر”، معتبراً أن المشكلة الأساسية خلال السنوات الماضية كانت في “تكبيل القطاع الخاص بإجراءات بيروقراطية معقدة أضعفت دوره الإنتاجي“.
ويتابع قائلاً إن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق حرية القطاع الخاص، خصوصاً في مجالات الصناعة والاستثمار، مشيراً إلى أن قانون الاستثمار الصناعي وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمثلان أولوية تشريعية.
وفي تقييم لافت للقطاع العام، يختم الشمري، حديثه بالقول إن “القطاع العام متخلف ولا يمكن الاعتماد عليه في قيادة التنمية”، داعياً إلى إعادة توجيه الاقتصاد نحو القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي للنمو.
تشخيص هيكلي
لكن هذا التفاؤل التشريعي لا يحظى بإجماع كامل داخل الأوساط الاقتصادية، حيث يرى الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد الجنابي، أن الأزمة في العراق لم تعد أزمة سيولة أو موازنة فقط، بل أزمة هيكل اقتصادي عميق.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يقول الجنابي، إن “الاقتصاد العراقي يعاني من اختلال بنيوي واضح، يقوم على الريع النفطي، وضعف الإنتاج الحقيقي”، لافتاً إلى أن أي إصلاح لا بد أن يبدأ بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق.
ويضيف أن العراق بحاجة إلى حزمة إصلاحات متكاملة تشمل تحديث قانون الاستثمار، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإصلاح النظام الضريبي، وتطوير قوانين الأمن الغذائي، وتسريع التحول الرقمي في الاقتصاد.
ويستطرد الجنابي، قائلاً إن هذه الحزمة إذا طُبقت بشكل متكامل يمكن أن تقلل الاعتماد على النفط، وتعيد تشكيل الاقتصاد على أسس إنتاجية.
ويقترح الخبير الاقتصادي، إنشاء “صندوق سيادة للأجيال” يمول من الإيرادات النفطية، بهدف تحويل جزء من الثروة النفطية إلى استثمارات طويلة الأجل.
لكنه في الوقت نفسه يشدد على أن كل هذه الخطط “تبقى مرهونة بوجود إرادة سياسية حقيقية”، وإدارة تنفيذية قادرة على تطبيق القوانين على أرض الواقع، وليس إقرارها نظرياً فقط.
أزمة أعمق
في المقابل، يقدم الخبير المالي والاقتصادي، محمود داغر، قراءة أكثر حذراً، تضع التشريع في سياقه الصحيح، لكنها لا تعتبره الحل الوحيد.
ويقول داغر لوكالة شفق نيوز، إن العراق يواجه “أكبر انهيار في الإيرادات العامة منذ عام 2004″، وهو ما أدى إلى تباطؤ النمو، وتراجع الاحتياطيات، وزيادة الدين الداخلي.
لكن المشكلة، بحسب داغر، لا تكمن في غياب القوانين فقط، بل في “اختلال إدارة الإنفاق العام نفسه”، مبيناً أن العراق بحاجة إلى إعادة تنظيم الإنفاق العام، وتنويع مصادر الإيراد بعيداً عن النفط، وتحسين جباية الكهرباء والمياه والضرائب والجمارك، وتقليل الهدر المالي في النفقات التشغيلية.
ويلفت إلى أن التركيز على التشريعات وحدها لا يكفي، مضيفاً أن “التشريعات لا تحل الأزمة إذا لم تترافق مع تغيير في طريقة إدارة الموارد“.
ويحذر داغر من أن استمرار الوضع الحالي “قد لا يكون قابلاً للاستمرار حتى نهاية العام”، في إشارة إلى هشاشة الوضع المالي.
تحذيرات دولية
وتأتي هذه النقاشات في سياق أوسع من التحذيرات الدولية التي تشير إلى تباطؤ محتمل في الاقتصاد العراقي خلال السنوات المقبلة، مع توقعات بانكماش في بعض السيناريوهات، وفق تقارير مؤسسات مالية دولية.
وتربط هذه التحذيرات بين عوامل عدة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على النفط، وضعف القطاعات الإنتاجية غير النفطية، وارتفاع الإنفاق التشغيلي، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، واضطرابات سلاسل الإمداد والتجارة.
وفي الوقت ذاته، تشير تقارير أخرى إلى أن أي تحسن اقتصادي مستقبلي سيكون مرهوناً بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات هيكلية، تشمل التشريع، والإدارة، والاستثمار، وليس أحدها منفصلاً عن الآخر.
